المعارضة في جزر القمر بين الدجل السياسي ومكيدة السلطة

 

                                                                                        يوسف امباي علي

       باحث في العلاقات الدولية والإنسانية بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية – باريس

 

لم تكن في تاريخ السياسة القمرية الحديثة استراتيجية متعددة لتداول السلطة بشكل سلمي وشفاف ، إنما كان هنالك إيمان عميق لمبدء القوة العسكرية كسبيل وحيد للوصول إلى قمة الأحلام في بيت السلام ، بالتالي لم تعد هنالك حاجة لتكوين جسر للتواصل بين السلطة الحاكمة والشعب مما أدى إلى تردي الأوضاع الاجتماعية والنفسية للمواطن ، فيما انتعشت وترعرعت البرجوازية، وتولد منها نخبة من المخبرين والمخربين، همهم الأول، السيطرة على مقدرات البلاد لأطول مدة ممكنة.
 غير أن السؤال المطروح حاليا هو ما يدور حول كواليس ما تسمي نفسها بالمعارضة في ظل وتيرة السرعة التي تشهدها تقلبات الأحداث على أرض الواقع مع إصرار حكومة الإمام على المضي قدما في مساعيها للدفاع عن أجندتها السياسية. فهل بامكان المعارضة ترتيب الصفوف مرة ثانية لمواجهة العاصفة؟ أم سنرى الهجرة الجماعية لزعمائها إلى الحدود الفرنسية على غرار ما نراه حاليا على الحدود المكسيكية الامريكية ؟
ثمة أحلام يقظة تراود تجمع المعارضة في دولة الأرخبيل ، بأن الامام سيضطر للتنازل عن تعنته أو على الأقل، الانصياع لصيحات الشعب والرجوع إلى مبدء الحوار الوطني خاصة بعد الإخفاقات العدة التى لا زالت تطارد حكومته من استقالات الكثير من المقربين منه ومن كانوا بالأمس مؤيدين لنهجه السياسي، علاوة على التمرد المسلح الذي شهدته جزيرة انجوان مؤخرا وما يحمله من تداعيات ، بيد أن تلك الرهانات لم تعد صالحة للارتكان بها في ظل تعالي سقف الهجمات المتتالية التي تشنها الحكومة لتفكيك ما تبقى من جيوب المعارضة.
 فداخليا تم زج بعضهم في السجون ، وافتعلت الأزمات ، لإرغام الآخرين على الهجرة أوالبقاء بشرط أن يكونوا متفرجين فقط على مسرح العملية السياسية دون إبداء رأي . أما خارجيا فقد استطاع الإمام غزالي أخيرا تأمين سبل البقاء في السلطة بإقناع باريس على ضخ مئات الملايين من اليوروهات  في خزائن الحكومة الاتحادية من أ جل دفع رواتب المعلمين والموظفين الحكوميين لمدة تتراوح ثلاث سنوات مقابل صفقات تتخلى بموجبها حكومة مروني ولو مؤقتة عن المسائل العالقة بحق القمريين في التنقل الحر في جميع ترابهم الوطني بما في ذلك جزيرة مايوت.
 كما استطاعت حكومة غزالي بحنكته السياسية شيطنة الحزب الوحيد الذي كانت تُعول عليه المعارضة لما يتمتع به من شعبية كبيرة في البلاد بوضع زعيمه الروحي تحت الإقامة الجبرية، وتكثيف الحملات الملفقة وافتعال المشاعر المعادية له خارجيا وداخليا بحجة الدعوة إلى التشيع في جزر القمر ونهب أموال الشعب. تلك الدعوات وغيرها تم تسويقها إعلاميا وتلقت بالطبع آذانا صاغية من قبل المملكة العربية السعودية باعتبارات سياسية معروفة سنوضحها في الوقت المناسب. وقد أعربت عن استعدادها هي الأخرى بتقديم الدعم الممكن للحيلولة دون تمكين الإيرانيين والقطريين من العودة مرة أخرى على أرض القمر، وبالتالي فإن القبة الحديدية التي تحتمي بها حكومة الإمام في سياستها الخارجية ، والحملة التعسفية التي تتبعها في الداخل، كفيلان لتوصيل القافلة إلى أبعد حدود ممكنة، عكس توقعات المعارضة.
الإمام غزالي إستطاع بحنكته الفذة إلقاء القنبلة في ملعب المعارضة بسده كل الأبواب على وجه المعارضة وتم ضرب كل مساعي الاتحاد الإفريقي عرض الحائط بالرغم من الجولات المكوكية من أعلى مفوضية في الاتحاد الإفريقي. منظمات حقوق الإنسان هي الأخرى وضعت على الهامش ، أما الاتحاد الأوروبي فهو في موقف المتفرج لا غير ، وبالتالي فإن نظرة كثير من المحللين السياسيين لطبيعة تحركات الإمام غزالي الخارجية والداخلية لا تعطي خيارات للمعارضة إلا العودة مرة  أخرى إلى الملاجئ في باريس ، تلك حصيلة نهاية التداول السلمي للسلطة في جزر أرخبيل جزرالقمر الذي دام ما يقرب العشرين عاما.
 والله غالب

_______________________

الأراء والمقالات التي تنشر في هذا الموقع  لا تعبر بالضرورة عن مواقف إدارة ” من جزر القمر” يتحمل  فقط صاحب المقال مسؤولية آراءه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *