برنامج المواطنة الاقتصادية في جزر القمر … الصفقة المشبوهة في عهد الرئيس الأسبق أحمد عبد الله سامبي ( الجزء الثاني)

    يكتب صفوان عُمور عبدالله

    علاقة بشار كيوان بالمسئولين في جزر القمر:

    لم يكن الرئيس سامبي أول من يفتح ملف بيع الجنسية القمرية، ففي عام 2005 تلقى كيوان دعوة من الرئيس غزالي عثمان – رئيس الجمهورية آنذاك، وقام كيوان بزيارة البلاد مع عدد آخر من رجال الأعمال ثم أصبحت زياراته شبه منتظمة، كما أشارت صحيفة «The Guardian» البريطانية في تقرير مطول عن برنامج المواطنة الإقتصادية نشرته في 11 من نوفبمر 2015.
    وقالت الصحيفة أنه في أثناء الانتخابات الرئاسية لعام 2006 شرع بشار كيوان  بالبحث عن حليف له بين المرشحين، ووجد ضالته في المرشح أحمد عبدالله سامبي، ومن هنا تكونت نفوذ كيوان بعد فوز سامبي بالرئاسة وأصبح مؤثرا في قصر بيت السلام الرئاسي، وقال وزير الخارجية القمري السابق محمد سقاف للصحيفة أن كيوان كان لديه ورقة بيضاء وكان رئيس الوزراء الفعلي للرئيس سامبي.
    وصرح بشار كيوان للغارديان أنه ورغم جاذبية الرئيس سامبي إلا أنه كان يفتقر للدراية في إدارة الدولة مشيرا أن سامبي كان يقابل الوفود الأجنبية ولم يكن هناك من يقوم بكتابة محاضر الاجتماعات وهو ما دعا كيوان للتحرك والقيام بالمهمة.

    تصويت البرلمان بالمخالفة للقواعد:

    بعد رفض البرلمان مشروع قانون المواطنة الإقتصادية بالإجماع في يوليو 2008، لم يستسلم راعي الصفقة بشار كيوان الذي استطاع خلال فترة قصيرة من رئاسة أحمد عبد الله سامبي للبلاد بناء علاقات مع الشخصيات المؤثرة في حكومته وذلك بفضل شركته “كمورو غولف القابضة”.
    سعى كيوان جاهدا لإقناع المترددين من المسؤولين في الحكومة والنواب على قبول المشروع، واقترح فكرة تشكيل وفد برلماني تحت مسمى «لجنة تقصي الحقائق» للسفر إلى دول الخليج التي ترغب تسوية أوضاع البدون المقيمين لديهاوذلك على نفقة شركة كمورو غولف هولدنغ المملوكة لكيوان، وكان الرئيس سامبي قد قام بزيارة رسمية إلى الكويت في 22 يناير 2007 استغرقت يومين بدعوة من صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.
    رحبت حكومة سامبي بالمقترح وتشكلت اللجنة التي ضمت ستة من أشد المعارضين للقانون في البرلمان برئاسة إبراهيم محومادي سِيْدِي، ومع أن المقترح كان يتعلق بزيارة دولة الإمارات العربية حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلا أن بشار كيوان استقبل الوفد في الكويت في أكتوبر 2008، واستمرت الزيارة ثلاثة أيام. وخلال الزيارة عقد الوفد لقاءات مع مسؤولين كويتيين وتلقوا وعودا بالاستثمار، كما اجتمع مع عدد من البدون رجالا ونساء لإطلاع الوفد على وضعهم ولماذا هم من دون جنسية وما يملكون من مال وكيف يمكن لجزر القمر مساعدتهم، ثم بعد ذلك عاد الوفد إلى البلاد حاملا أمتعته الممتلئة بالهدايا الثمينة كما قالت الصحيفة.
    وبعد أسبوعين من عودة الوفد من الكويت صدق البرلمان القمري على قانون المواطنة الإقتصادية من طرف واحد المتمثل في نواب الكتلة الرئاسية وبعض النواب المؤيدين في 27 من نوفمبر 2008 بأمر من الرئيس سامبي رغم التجاوزات المخالفة للائحة الداخلية للجمعية الوطنية وذلك إثر قرار رئيس البرلمان سيد ظافر بونو بتعليق الجلسة ومغادرته القاعة للمرة الثانية مع النواب المعارضين للمشروع.
     لم يثن قرار رئيس مجلس النواب بتعليق الجلسة، الحكومة في المضي قدما لتنفيذ برنامجها حيث دعا نائب رئيس البرلمان إبراهيم محومادي سِيْدِي إلى استأناف الجلسة بحضور 18 نائبا فقط من أصل 33، وهم الذين صوتوا لمشروع قانون المواطنة الاقتصادية، الأمر الذي عزز شكوك المعارضة في نوايا الحكومة واعتبرته تجاوزا في حق الشعب ومخالفة للائحة الداخلية لمجلس النواب.
    والجدير بالذكر أن النائب إبراهيم محومادي سِيْدِي – نائب رئيس البرلمان كان أحد أبرز نواب حزب الاتفاقية من أجل تجديد جزر القمر الذي كان يتزعم أحزاب المعرضة في ذلك الوقت (الحزب الحاكم حاليا)، كان في معسكرالمعارضين بشدة للقانون في الجلسة المنعقدة في يوليو 2008 إلا أنه وآخرون من نواب الحزب تخلوا عن موقف حزبهم في الجلسات التي تلتها وأعلنوا دعمهم للحكومة مما شجعها للمضي قدما لإنجاز المشروع.

    زيارات لمسؤولين كويتيين رفيعي المستوى لجزر القمر:

    سبقت زيارة الوفد البرلماني القمري إلى الكويت زيارة لنائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح إلى جزر القمر في فيراير 2008 وقعت خلالها على أربع اتفاقيات من بينها اتفاقية تعاون في المجال التجاري، ومذكرة تفاهم بشأن إقامة المشاورات الثنائية بين وزارتي خارجية البلدين، واتفاقية تعاون ثقافي وتربوي وتعليمي وإعلامي واتفاقية التعاون الاقتصادي والفني، كما نشرت صحيفة «الراي» الكويتية في عددها الصادر يوم 18 فبراير 2008.
    وحسب ما نشرته جريدة «الأنباء» الكويتية فإن رئيس الوزراء الكويتي الشيخ ناصر المحمد قام بزيارة لجزر القمر في 22 يوليو 2009 تم التوقيع خلال الزيارة على مذكرتي تفاهم بين الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية بقيمة 150 ألف دينار لتمويل دراسة توليد الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة الجوفية والثانية بشأن تخصيص مبلغ 705 آلاف دولار من منحة الكويت لجمهورية القمر المتحدة والبالغ قدرها مليوني دولار للإسهام في تمويل مشروع ميناء موتسامودو في جزيرة أنجوان .
    في الـ 9 من نوفمبر 2014 كانت الحكومة الكويتية قد أعلنت على لسان مساعد وكيل وزارة الداخلية مازن الجراح أن البدون سيحصلون على استمارات لطلب «المواطنة الاقتصادية» لجزر القمر، وكان من المقرر أن تبدأ عملية تقديم طلبات الجنسية بعد افتتاح سفارة جزر القمر في الكويت.لكن العرض الحكومي قوبل بالرفض بالنسبة للبدون الكويتين وهددوا باللجوء إلى المؤسسات الدولية ورفع شكوى ضد الحكومة الكويتية لمخالفتها المواثيق والقوانين الدولية. و تقدر أعداد البدون في الكويت بـ110 آلاف شخص، وهم ولدوا ونشأوا في الكويت، ويطالبون بالحصول على جنسيتها، لكن السلطات تؤكد أن 34 ألفا فقط هم الذين يمكنهم الحصول على الجنسية، وأن الباقين هم من جنسيات أخرى.
    وفي مارس 2016 قبل انتهاء ولاية الرئيس إكليل ظنين بشهرين زار وفد مجموعة الصداقة البرلمانية الكويتية جزر القمر واجتمع خلالها مع وزير الداخلية ووزير الخارجية بالوكالة، وعقب عودة الوفد إلى الكويت صرح للمسؤولين أن حكومة جزر القمر أبدت موافقتها لتجنيس البدون الكويتيين وأن وزير الداخلية القمري قام بإبلاغ الوفد بوجود مفاوضات نتيجة مبادرة من جزر القمر مع الكويت في هذا الصدد لكن السلطات القمرية بحاجة إلى تشريعات معينة من مجلس النواب لإقرار هذا الأمر. وتضمنت المزايا التي غرت بها الحكومة الكويتية البدون أن من يتم تسوية وضعه سيحصل على العلاج والتعليم وبطاقة التموين وشهادات الميلاد والوفاة والزواج والطلاق والإرث، ورخص القيادة، وسيتم إعطاؤهم أولوية في العمل بعد الكويتيين.
    وبعد شهرين من زيارة الوفد البرلماني الكويتي لجزر القمر نشرت جريدة «القبس» الكويتية يوم 15 مايو 2016 أن وزير خارجية جمهورية القمر المتحدة عبدالكريم محمد أعلن عن استعداد بلاده لاستقبال فئة المقيمين بصورة غير قانونية (البدون) في حال طلبت الحكومة الكويتية ذلك رسميا وأن حكومة جزر القمر على استعداد للتعامل مع الطلب الكويتي مثلما تعاملت مع دولة عربية أخرى في السابق.
    جاءت تصريحات الوزير عبدالكريم للصحفيين على هامش افتتاح سفارة جزر القمر لدى الكويت، لكن نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجارالله نفى على الفور اطلاعه على أي اتفاق بين الكويت وجزر القمر بشأن حل مشكلة البدون

    من المستفيدون من قانون المواطنة الإقتصادية ؟

    استطاع كيوان أن يسوق مشاريعه الخيالية للمسؤولين القمريين إبان حكم الرئيس أحمد عبد الله سامبي كمشروع الكورنيش وتعمير الميناء بعد أن اكتسب ثقتهم وأصبح مشهورا لدى الرأي العام القمري وامتلأت شوارع موروني أنذاك بلافتات دعائية عن مشاريع كيوان وشركته.
    في عام 2007 عينه سامبي قنصلا فخريا لجزر القمر في الكويت وهو الأمر الذي عزز سلطاته في القصر الرئاسي كمستشار للرئيس ومن ثم خولته كل هذه السلطات إلى تقديم نفسه مفاوضا باسم الحكومة في ملف تجنيس بدون الخليج.
    وتابعت صحيفة «The Guardian» في تقريرها أن بشار كيوان قام برسم خريطة لإمبراطوريته التجارية في جزر القمر من خلال شركته كومورو غولف هولدينغ تشمل السياحة والتجارة والتنمية وجلب مستثمرين عرب إلى البلاد وبدأ بإصدار جريدة «البلد» اليومية لكن المشاريع الأخرى لم تر النور أبدا، حتى جريدة البلد توقفت عن الإصدار .
    وفي الوقت الذي كان البرلمان يعقد جلساته للتصديق على مشروع قانون المواطنة الإقتصادية المثير للجدل كان رجل الأعمال بشار كيوان قد أنهى مفاوضات بيع الجنسية القمرية مع حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنه كان يسعى حريصا على إقناع حكومة دولة الكويت للدخول في الصفقة اقتداء بجارتها الإمارات.
    كان الرئيس سامبي قد صرح في عام 2009 بأن دولة الإمارات تعهدت بدفع 200 مليون دولار لجزر القمر مقابل تجنيس نحو 4000 عائلة من البدون الذين سيحصلون على جنسية جزر القمر. وجاء في تقرير «الغارديان» أن كيوان أطلعها على ملف يحتوي على عقد مؤرخ في شهر إبريل 2008 وقع عليه محمد بكار دوسار وزير دفاع جزر القمر في حينه، ومسؤول حكومي إماراتي، ويمنح العقد بموجبه بشار كيوان دورا للتوسط في صفقة المواطنة الإقتصادية بين الإمارات وجزر القمر.
    وفي الـ 8 من يوليو 2008 نشرت صحيفة «الإمارات اليوم» قصة مواطن من البدون يدعى حسن عبدالرحمن الذي لم يكن يحمل أوراقاً ثبوتية ابتكر أسلوباً لتعديل وضعه القانوني في الإمارات. وقالت الصحيفة أن حسن كان أول من تقدم للحصول على جنسية جزر القمر عن طريق القنصل الفخري في الإمارات بشار كيوان، رئيس مجلس إدارة شركة كومورو غولف القابضة.
    وأفادت الصحيفة عن حسن عبدالرحمن أن شركة  كومورو غولف هولدنغ طلبت منه صور شخصية وأي إثبات (رخصة قيادة، أو بطاقة صحية أو شهادة ميلاد) مقابل مبلغ مالي محدد، وأنه دفع مبلغا زهيدا مثل جزءا من قيمة المبلغ الإجمالي، وتم استيفاء باقيه عند تسلمه للجنسية الجديدة.
    وقالت الصحيفة في عددها الصادر اليوم التالي أنها تلقت عدة اتصالات هاتفية في نفس، يوليو من أشخاص لا يحملون أوراقاً ثبوتية، تسائلوا عن الإجراءات التي سار بها حسن عبدالرحمن، وعن عنوان شركة كومورو غولف القابضة التي قدمت له معاملة الحصول على جنسية جزر القمر. كما نشرت أن وزير الداخلية الإمارتي الشيخ سيف بن زايد آل نهيان أثنى على مبادرة حسن لتسوية وضعه القانوني وذلك بالحصول على جنسية جزر القمر أولا ليتمكن من استيفاء شروط الحصول على الجنسية الإماراتية.

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    Back To Top