في ظرف وجيز .. الكرة الافريقية تكتشف جزر القمر من بوابة التاريخ

الخروج عن النص منعرج تميزٍ في تاريخ الكرة القمرية ، فمقولة من لا ماض له لا حاضر له ، لم تجد لنفسها متسعا على صدر جزر القمر “كرويا” ، الذياتسع برحابة لإرادة أبنائه ، لينبت التاريخ ورودا من الروح و العزيمة ، طوقت بإكليل فرحها عشاق كرة القدم ، بتلك الجزر التي لا يتجاوز عمر استقلالها عنفرنسا 47 سنة (1975) ، و لم تعرف كرة القدم بشكل رسمي قبل الألفية الجديدة .

فلك أن تتخيل أن اتحاد كرة القدم بجزر القمر ، لم ينضم للاتحاد الأفريقي لكرة القدم قبل عام 2003، ونال العضوية في الفيفا في عام 2005، وفي شهرديسمبر من عام 2006 ، لعب لأول مرة بتصفيات كأس العرب (2009).

بعد هذه المشاركة المعترف بها دولياً، بدأت في عام 2007 الرحلة في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2010 وكذلك أمم أفريقيا، لكن جميع التحركات آنذاكباءت بالفشل ، و شكلت إرهاصات ما قبل الظهور الحقيقي .

و ظلت كرة القدم في ثالث أصغر دولة افريقية من حيث المساحة ، تعاني من عديد العوامل أساسها الجانب المادي ، و رغم أنها لا زالت لم تزدهر ، إلا أنهاآخذة في التطور وفق الامكانيات الموجودة و المحدودة .

وفي فصول حكاية عام 2018 ، هب أريج بداية النجاح على الكرة القمرية من بوابة المنتخب ، بعدما كان قريبا من خطف التأهل إلى كأس أمم إفريقيا (مصر2019) ، حيث قدم ظهورا جيدا في التصفيات ، لتعود جزر القمر في 14 نوفمبر 2019، لتعزف أول لحن في رحلتها التأهيلية لكأس الأمم الأفريقيةالكاميرون 2021 ، فحققت أول فوز في تاريخها خارج الديار خلال تصفيات رسمية على التوغو بنتيجة 0-1 .

مدرب جزر القمر أمير عبدو و يعتبر المدرب أمير عبدو (49 سنة ) صاحب الخبرات الكبيرة ، و الذي يدرب كذلك نادي أفسي نواذيبو بطل موريتانيا منذ عام 2020 ، صانع ثورة كرةالقدم في جزر القمر ، فتألقُ المنتخب الملقب بسمكة سيلاكانث ، كان بفضل هذا الرجل القمري المولود في فرنسا و الذي عمل سابقا كموظف بلدي في مدينةمارسيليا .

و قد قام أمير عبدو ببناء فريق قوي ، ارتكز على المحترفين في دوريات الدرجة الثانية الأوروبية ، إلى جانب أهم لاعبي المنتخب ألفاردو بن محمد نجم فريق ردستار الناشط في الدوري الصربي ، وأبرز لاعب في تاريخ جزر القمر .

جزر القمر الصغيرة بطموحاتها الكبيرة ، كانت على موعد مع كتابة تاريخ كبير في ظرف وجيز ، حيث جسد الفريق بالفعل حلم ما يناهز 900 ألف نسمة – أي عدد سكان هذه الجزيرة العربية الذي يجعلها من أقل السكان بين دول العالم – كاتبا بذلك أول تأهل إلى نهائيات كأس أمم إفريقيا ، و جاء الإنجاز إثرالتعادل أمام مصر و التوغو والفوز على كينيا.

و لم يتوقف المنتخب الحالم عند هذا الحد ، فقد اثبت أنه يهوى ركوب الصعاب ، حين بدا متفائلا و جاهزا للتحدي بعدما وضعته القرعة في مجموعة صعبة ، معالمغرب و غانا و الغابون و هي فرق متمرسة في البطولة .

شد ممثل جزر القمر رحاله إلى الكاميرون من أجل تشريف البلد الصغير ، و كان ندا صعبا في المواجهة الأولى لمنتخب الغابون ، قبل أن يخسر بهدف لصفر، و خسر كذلك في المباراة الثانية من المغرب بثنائية لصفر ، و ربما لم يكن يُنتظر الكثير من منتخب يشارك للمرة الأولى في إحدى أبرز البطولات القارية ،بإلاضافة إلى صعوبة موقفه حين رمت به القرعة بين منتخبات قوية ، التماس العذر للقمريين كان متاحا ، لكنهم رفضوا في المباراة الأخيرة أن يرموا المنديلاستسلاما لأحكام الورق ، و انحازوا للغة الميدان التي لا تقول كلمتها الفصل قبل تسعين دقيقة و قد تزيد .

المنتخب المغمور عاد ليتفنن في كتابة التاريخ ، محرزا فوزا تاريخيا على منتخب غانا – الذي سبق و تسيد افريقيا بأربعة ألقاب – ، الجزر تفوقت في المباراةبثلاثة أهداف مقابل هدفين ، وحقق بذلك رجال امير عبدو أول فوز في تاريخهم في البطولة الافريقية ، فوز أجج الآمال القمرية بالتأهل للدور الموالي بثلاثنقاط ، و أنساهم مرارة خسارتي البداية .

و خلد هذا الانتصار التاريخي كذلك ، تسجيل ألفاردو بن محمد نجم منتخب جزر القمر واحدا من أسرع أهداف بطولة كأس الأمم الإفريقية ، بعدما سجل فيغانا بعد مرور 3 دقائق و16 ثانية فقط .

لم يكتفي المنتخب الملقب بسمكة سيلاكانث بهذا الحد من التألق ، بل قادها حظها للمرور إلى الدور الثاني ، ضمن منتخبات أفضل الثوالث في النسخةالثالثة و الثلاثين من كأس افريقيا للأمم ، مستفيدا من سقوط الجزائر المفاجىء و تعثر السيراليون ، ليواصل المنتخب الحالم مغامرته في العرس الإفريقي ،واضعا بذلك لبنته في تاريخ الكرة الافريقية ، و التي حتما ستساهم في صناعة مستقبل واعد .

رئيس جزر القمر غزالي عثماني في زيارته لمنتخب بلاده هذا الانجاز يلقى أهمية كبيرة لدى الشعب القمري و حكومته ، و لهم فيه ضلع كبير بدعمهم و ثقتهم ، التي حظي بها الفريق منذ الوهلة الأولى ، فليس جزافاالدعم الحكومي الذي لاقاه المنتخب ، خاصة مؤازرة الرئيس غزالي عثماني لهم عندما حضر أول مران للفريق على الملاعب الكاميرونية ، ليبارك بذلك عملجنوده المميزين ، و يشد على أياديهم و يؤكد لهم حجم مسئولية و شرف أن تمثل بلدك ، و كون البطولة فرصة للتعريف بدولة جزر القمر و لفت النظر إليها ، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجابًا عاجلا و آجلا على تلك الجزر النائية .

و يبدو أن وقع التوجيه و النصائح و الآمال كان وقعه قويا في قلوب اللاعبين و القائمين على الفريق ، و من مال لا شك فيه أن الاسماء التي صنعت هذا الحدثالكبير ، تستحق الذكر دائما فقد ضمت القائمة التي يشارك بها في “الكان” اللاعبين التاليين :

حراسة المرمى: سليم بن بوانا (إندوم الفرنسي) وعلي أحمادة (إس كيه بران بيرجن النرويجي) ومعاذ أوسيني (فريوس الفرنسي).

خط الدفاع: نديم عبده (إف سي مارتيج الفرنسي) وبنجلود يوسف (لا بريشون دي شاتورو الفرنسي) وعبد الله علي محمد (أفرانش الفرنسي) وقاسممداهوما (أفرانش الفرنسي) ويون زهاري (شوليه الفرنسي) وشاكر الحضور (أجاكسيو الفرنسي) ومحمد يوسف (أجاكسيو الفرنسي) وقاسم عبد الله(مارينيان سينياك الفرنسي).

خط الوسط: فؤاد بشيرو (أومونيا نيقوسيا القبرصي) ويوسف مشانجاما (إي أيه جانجون الفرنسي) وياسين برهان (جو أهيد إيجلز الهولندي) ونكيبو أبوبكاري (سيتي 34 الفرنسي) وإياد محمد (إيه جي أوكسير الفرنسي) ورافدين عبد الله (لوزان السويسري).

خط الهجوم: فايز سليماني (كورتيك البلجيكي) ومحمد الفردو (ريد ستار بلجراد الصربي) وناصر شاميد (غاز ميتان ميدياس الروماني) وأحمد مغني (إفسي أنيسي الفرنسي) وفايز ماتوار (شوليه الفرنسي) وسعيد بكاري (آر كي سي فالفيك الهولندي) وموسى جوموي (سايت بريست الفرنسي) ومحمدمشانجاما (نواذيبو الموريتاني).

و يهندس هذا النجاح عمل منظمومة بالكامل يتقدمها ، رئيس اتحاد الكرة في جزر القمر سعيد علي عثمان ، و الذي أكد قيمة ما حقق منتخب بلاده ، إلىجانب المدرب أمير عبدو الذي يتولى قيادة الفريق منذ عام 2014 .

…إنجاز الجزر يستحق الإشادة ، خطوة مهمة نحو مستقبل زاهر.

بقلم الكاتب/ المختار اسباعي – نقلا عن موقع صحيفة صدى الموريتانية