اعتقال ثم إفراج مشروط.. صحفيان في قلب معركة جديدة حول حرية التعبير
قبل أن تكتمل عشرون ساعة على الاحتجاز، غادر الصحفي الهاد سعيد عمر، المدير العام لجريدة «لاغازيت دي كومور»، يوم أمس مركز الشرطة ، بينما بقي زميله الصحفي طفيل معيشة خلف أبواب التحقيق حتى اليوم التالي، ليخضعا للمساءلة أمام قاضي التحقيق حتى الخامسة مساءً، قبل أن يُفرج عنهما بشروط، في مشهد يفتح الباب واسعًا أمام القلق والتساؤلات حول واقع حرية الصحافة في البلاد.
لكن بأي ذنب اعتُقلا؟
قالت وزارة الإعلام القمرية، في بيان لها يوم الثلاثاء 9 من هذا الشهر، إن «لاغازيت دي كومور» نَشرت مقالًا يتضمن “عناصر محددة من تقرير طبي سري” سُرِّب قبل تقديمه رسميًا إلى النيابة العامة. وهذه هي التهمة الموجهة إلى رئيس التحرير طفيل معيشة ومدير الصحيفة اليومية الخاصة الهاد سعيد عمر
وبحسب ما أعلن المدعي العام، فإن مدير الجريدة يواجه تهمة “الإخلال بالنظام العام” على خلفية مقالات نُشرت خلال الفترة بين مايو ويونيو، غير أن هذا الاتهام يثير جدلًا أعمق: هل يمكن أن تتحول الكلمة المكتوبة، بكل ما تحمله من رأي أو تحليل، إلى سبب للتوقيف والمساءلة الجنائية؟
وخلال الشهرين الماضيين، كانت جريدة «لاغازيت دي كومور» قد أثارت جدلًا واسعًا بنشرها معلومات تتعلق بالحالة الصحية للرئيس الأسبق أحمد عبد الله سامبي، وصلت إلى حد نشر تصريح للطبيب الخاص به يفند رواية سابقة صادرة عن مكتب المدعي العام بشأن استقرار وضعه الصحي
وفي ملف آخر، كان الصحفي طفيل معيشة، المعارض المستقل الذي ترشح للانتخابات البرلمانية الأخيرة، قد نشر عبر صفحته على فيسبوك قبل أيام خبرًا نسبه إلى “مصدر موثوق”، حسب قوله، تحدث فيه عن نية الحكومة رفع أسعار الوقود بما يتراوح بين 100 و150 فرنكًا للتر الواحد، أي بنسبة قد تصل إلى 20% ، وأشار إلى إمكانية تطبيق القرار خلال “فترة الأفراح” التي تقع بين يوليو وديسمبر في جزر القمر
كما ربط المنشور تلك التقديرات بمحاولة سابقة تم التراجع عنها تحت ضغط احتجاجات شعبية، ونسب المقترحات إلى جهات داخل حزب الوفاق من أجل تجديد جزر القمر الحاكم
إلا أن الحكومة سارعت إلى نفي هذه المعلومات بشكل قاطع، مؤكدة أنها لا تستند إلى أي وثائق أو قرارات رسمية، وأن ما يتم تداوله لا يتجاوز نطاق التكهنات التي قد تُربك الرأي العام وتثير القلق دون مبرر، مشددة على أن أي سياسات مستقبلية في مجال الطاقة لن تُتخذ إلا بعد دراسات ومشاورات رسمية
القيود المفروضة على الصحفيين
قال الهاد سعيد عمر، بعد خروجه مساء أمس من المحكمة، إنه وموظفه يخضعان الآن لقيود صارمة تشمل حظر السفر والتعليق على القضية أو نشر أي شيء يتعلق بها، بالإضافة إلى إلزامهما بالحضور بانتظام إلى المحكمة
وقالت نقابة الصحفيين القمريين، في بيان لها مساء أمس الأربعاء، إن طفيل معيشة والهاد سعيد عمر ممنوعان، أساسًا، من مغادرة جزيرة انغازيجا دون إذن من القاضي المسؤول عن القضية، إضافة إلى منعهما من نشر أو توزيع المقالات الصحفية طوال فترة التحقيق
رد منظمات الدفاع عن الصحافة والرأي
في بيان صدر أمس الأربعاء، أدانت النقابة الوطنية للصحفيين القمريين بشدة إخضاع الصحفيين للإشراف القضائي، فضلًا عن ظروف اعتقالهما التي جرت ليلة الاثنين 8 يونيو دون استدعاء مسبق
وأكدت النقابة أن الدور التنظيمي يقع حصرًا على عاتق المجلس الوطني للصحافة والإعلام المرئي والمسموع، الذي التزم الصمت المريب طوال هذه القضية
كما ذكّرت النقابة بأن حرية الصحافة حق أساسي يكفله الدستور، وأعلنت تكليف محامين لمتابعة القضية ومساندة الصحفيين طوال الإجراءات القانونية
ونددت من جانبها منظمة “مراسلون بلا حدود” الدولية لحرية الصحافة بالاعتقال الذي قالت عنه بأنه” تعسفي”، مؤكدة أن الصحفيَّين كانا يؤديان عملهما فحسب، داعية إلى إسقاط التهم الموجهة إليهما.
وفي مساء الاثنين، كانت قوات الدرك قد أوقفت طفيل معيشة، سكرتير تحرير «لاغازيت دي كومور»، في مدينته نيومازاها بمباو جنوب موروني، بينما اعتقلت مديره الهاد سعيد عمر داخل مقر الجريدة، في واقعة أثارت اهتمامًا واسعًا وتساؤلات متصاعدة حول الخط الفاصل بين المسؤولية الصحفية وحدود الملاحقة القانونية
ويبقى السؤال حاضرًا بثقل واضح: هل تُغلق هذه القضية عند حدودها الحالية، أم أنها تفتح فصلًا جديدًا من النقاش حول مستقبل الصحافة وحرية التعبير في البلاد؟
كتبه / حامد علي





