إشكالية اللاجئين بين الحقائق والحقوق (الجزء الأول)

   بقلم شمس الدين الديبواني – ماجستير في الأدب السياسي والنقد 

 

1- دواعي القضية 

يمثل الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب  ظاهرة  ديبلوماسية  جديدة   تجاه  العلاقات  الدولية  والاتفاقيات  المبنية  على المعاهدات الإنسانية و الإقتصادية  والاجتماعية، ويضرب عن الذكر صفحا أنماط سياسة أثقل دولة في العالم، بقدر ما ينزع اللثام عن مخاوفات محتملة لم تعتن من قبل بالدراسة المتفنية بجدية كاملة،  ويجبر  أصحاب الرأي والحكمة  والسؤدد إلى ضرورة مواجهة مشاكل ومعانات اللاجئين،  وتضخم خيمة عواقبها، عبر منابر مفهومة قابلة للمناقشة والدراسة  وإبداء الرأي والآخر ؛  فقد عكفت   الحكومات والمنظمات المحلية والدولية  خلال السنوات  الماضية  على دراسة تفشي ظاهرة  المهاجرين، وكيفية العمل يدا بيد للحد من تنامي نغماتها السلبية، أو مواجهتها بأقل الخسائر، ورغم كل الجهود المبذولة – كما سنرى فيما بعد – إلا أن  هذه الظاهرة في تزايد مستمر ومخيف، ولا زال عدد من يعبرون الحدود  – ليل نهار– سعيا وراء حياة أفضل يكثرون، وبشكل مريب، حتى كأننا إذا جمعنا كل المهاجرين في مكان واحد فإنهم سيكونون من أكبر الدول  في العالم من حيث عدد السكان !
  هذه الكمية الهائلة  من البشر ليست بخير  أيضا في البلدان الثانية التي هاجروا إليها،  بقدر ما ازدادت المعانات والمصائب من كل الجهات كالصواعق في شتاء القرون الوسطى ! 

في صربيا يوجد أكثر من ألف مهاجر، بينهم عديد من القاصرين يعيشون في ظروف غير انسانية، في مخازن مهجورة وغير صحية بالمرة ، لا سيما في العاصمة بلغراد، حيث يمكن أن تنخفض درجات الحرارة  إلى 20 درجة تحت الصفر في الشتاء، كما أن الجمعيات الإنسانية مستهدفة من قبل الحكومة الصربية، ولا يمكن لهذه المنظمات أن تساعد كما ينبغي، فيما يواجه كثير من هؤلاء المهاجرين مخاطر الأمراض وانخفاض حرارة الجسم، وكثير منهم يحاولون مرارا وتكرارا عابر الحدود بأي وسيلة، لمغادرة جهنم صربيا المشتعلة لكن بلا جدوى، ففي كل مرة يمسكون بهم ويعيدون إليها من جديد، وتحمل أجسامهم آثار الضرب، وعض الكلاب، وبسبب البرد القارس أصيب كثيرون بتقرحات، ومعظم الأطباء من المتطوعين ولا توجد أدوية كافية . (عائشة علون  ، فرانس 24 / 2017) 

وفي مخيم دونكيرك الفرنسي يتم استغلال اللاجئين يوميا بطريقة بشعة؛ حيث نشرت صحيفة الجرديان  اللندني  تقريرا مفصلا عما يتعرض له الأطفال والنساء من اغتصاب واستغلال من قبل المهربين عندما يكون هؤلاء المهاجرون في حاجة إلى الطعام والبطاطين .  (مصراوي ، 13/2/ 2017) .
  
ويمكن تتبع مثل هذه الوقائع أيضا في اليونان وتركيا وإثيوبيا وليبيا وإيطاليا .. وغيرها من الدول التي يكثر فيها المهاجرون . معانات اللاجئين ليست ظاهرة وليدة الثورات العربية ولكنها قديمة ومشتعلة حتى في دول الشرق وإن ازداد اشتعالها مع انطلاق الربيع العربي.  

 

2- مجازر المهاجرين في المحيط الهندي

هذه الوقائع المنقطعة الصلة بالإنسانية ما أكثرها في تاريخ مهاجري جزر القمر إلى الآن، والحقيقة أن جزر القمر حتى هذه اللحظة الدقيقة من عمر تاريخها تعيش بجروح مقدسة وعميقة وأغنيات حزينة ملتهبة مع مسيرات الهجرات القمرية عبر التاريخ؛ حيث إن الإحصائيين متفقون أن الجاليات القمرية في فرنسا تقدر بـــ 150,000  مواطنا حوالي 80,000  منهم في مرسيليا هذا فقط بالنسبة للبالغين .

 وتاريخيا فإن الهجرات القمرية متوزعة بين ثلاث بلدان رئيسية :  زنجبار، مدغششقر، فرنسا، ولكل منها حدثت مجازر قمرية مروعة؛ 
 في زنجبار عام 1964 اشتد الخناق على 15000 مواطن قمري وقمرية متوزع بين الموظفين الحكوميين – في ذلك الوقت– والتجار ورجال السياسة الذين وصل بعض منهم إلى منصب وزير وكاتب دولة، وقد كان التجانس القمري الزنجباري قائما على قدم وساق حتى اندلعت ثورة مضادة للأجانب  بقيادة – جون أوكلو- عام 1964، والمؤيد من قبل السلطان سيد جاشيد بن عبد الله ، صاحب حكومة الثورة الشهيرة، وكان القمريون يتلقون نفس المعاملة التي عومل بها العرب، ويشربون من نفس كأس المعانات، وسرعان ما ازداد هذا الوضع  سوءا مع حلول السيد عبيد أمان كريم ، رئيسا للبلاد والذي قضى بمرسوم إعادة القمريين إلى بلادهم الأم، الأمر الذي تسبب في ضياع كثير من حقوقهم وحقائق  تلك الفترة المهمة من تاريخ القمريين والعرب العمانيين.  

أما كارثة امجانغايا التاريخية فقد وقعت بمُلغاش عام  1976 أي بعد عام من استقلال جزر القمر، وذلك إثر حادثة مقتل طفل لاتيني ملغاشي ابتز رجلا قمريا بوضعه لبرازه وفضلاته في حديقة الرجل القمري، حتى فاض به الكيل ذات مرة  فأخذ ذلك البراز ووضعه على وجه ذلك الطفل اللاتيني، وعلى هذا الأثر تم اغتيال القمري بكل وقاحة، ومن هنا انطلقت جذوة حرب إبادة القمريين بمحافظة امجانغايا الملغاشية، حيث قتل فيها خلق كثير من القمريين من قبل  قبائل – بستريباك-، الذين كانوا يمتلكون أسلحة بيضاء كثيرة ومتنوعة، واشتدت نيران القتل في كل مكان والجيش الملغاشي- كشاهد ما شاهدش حاجة كما يقولون-  ! بقدر ما أمد بالقبائل  القاتلة بعض الأسلحة الفتاكة، وعلى الرغم من كثرة القمريين إبان تلك الحوادث  إلا أنهم لم يكونوا يمتلكون أي أسلحة، وهكذا انتشرت جثثهم كل مكان كالجبال !

وكانت قبائل بستريباك – إضافة إلى دخولهم لمنازل القمريين – يستقلون السيارات والعربات ويقتلون أي قمري يجدونه، مما دفع كثيرا منهم إلى التوجه  إلى أي قاعدة عسكرية قريبة لإنقاذ النفس من الهلاك المحقق، استمر هذا الوضع ثلاثة أيام متتالية دون انقطاع، من هنا سعت الحكومة القمرية إلى إخراج  الـ15 ألفا من القمريين العالقين بامجانغايا وفي بقية الجزر الملغاشية، عبر سفينة وطائرة بلجيكية كي يعودوا جميعا إلى بلادهم .
 
 وفي عام 2004 غرقت سفينة سامسون الدينماركية  في سواحل امجنغايا أيضا، ومات في تلك الحادثة خلق كثير.
وفي عام 2009 سقطت الطائرة اليمنية  في سواحل البلاد ولم ينج من الحادثة إلا طفل في الرابع عشر من العمر.
هذا بالإضافة إلى سفينة مجريها التي غرقت في سواحل البلاد.  
وثائق تاريخية من المركز الوطني للتوثيق بموروني جزر القمر). 

3- مايوت نيران جزر القمر الشقيقة 

أما  كارثة جزر القمر المصطلية والتي لا يزال لهابها في تغاض مستمر، فهي تقع في سواحل جزيرتنا المستعمرة مايوت؛ تتجاوز ضحاياها شهداء أيام الاستعمار الأولى نفسها،  لا سيما بعد  فرض تأشيرة – بَلادْوير- على القمريين القادمين من الجزر الثلاث المستقلة في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، حيث قام بذلك رئيس وزرائه أنذاك إدوارد بلادوير، والذي كان مرشحا- فيما بعد – بالرئاسيات الفرنسية.    
و تأشيرة بلادوير تمنحها السفارة الفرنسية في موروني مقابل مبالغ مالية تجبى لصالح الخزانة الفرنسية من شعب فقير.

(حسين المزداوي،  اليومية  أويا، الصادر 29 /3/ 2009).

وقد بدأ العمل بالتأشيرة المذكورة نفس العام التي فرضت على القمريين وسط موجات جماهيرية غاضبة، فيما ساهمت تلك الخطوة السافرة في انفصال مايوت وتوسعة الفجوة بين المواطنين القمريين من الجزر الثلاثة واخوانهم وذويهم في مايوت، كما أدى – وهذا هو  مربط الفأس-  إلى وقوع آلاف الضحايا، ممن يحاولون الدخول إلى مايوت من غير حمل  هذه التأشيرة التي درج بعض القمريين علي تسميتها بتأشيرة الموت. 

(الدكتور حامد كرهيلا ، من أراضينا المحتلة مايوت قمرية  صـــــ83)

ولا زالت أرقام طلب الهجرة إلى مايوت  في تزايد مستمر .. فقد سجل  في عام 2006  ارتفاع ملحوظ  لترحيل المهاجرين ( 14300 مقابل 7600 خلال عام 2005 و8600 خلال 2004  فيما تواصل هذا الارتفاع  خلال 2007 و2008 :  16000 وفي عام 2009 (19,000   .

 وإن تعجب فعجب من أنه على الرغم من أن جزر القمر قد نالت استقلالها منذ عام 1975 إلا أن هذه الهجرات  شبه اليومية لم تكن على هذه الشكلية  المرعبة أيام الاستعمار …! 

 هل أستطيع  أن أقول أن استعمار مايوت إنما هو استراتجية قبيحة للسيطرة على بقية الجزر بطريقة غير مباشرة أكثر ريبا وفظا من الأخر … ؟  فالذي يقرأ تصريحات رؤساء جزر القمر السابقين يستطيع أن يستنتج هذه الحقيقة بكل شموخ وجلاء ! 

 يقول أول رئيس لجزر القمر بعد الاستقلال، أحمد عبد الله بن عبد الرحمن :  “لا يمكن للبقرة القمرية أن تقوم بدون رجلها الرابعة التي قطعها السكين الفرنسي ” وقال أيضا ”  أظن أن جزيرة  مايوت لن تتحرك ما لم تتلق الأمر من فرنسا، وأن مسؤولية الأحداث القادمة تقع على عاتق باريس فنحن اللحمة وفرنسا السكين “.

   (الدكتور حامد كرهيلا ، من أراضينا المحتلة مايوت قمرية  صـــ1)

فيما قال ألفيير سترن، كاتب الدولة  لأقاليم ما وراء  البحار، في أول تصريح  فرنسي بعد الإعلان عن الإستقلال :  “إن هم الحكومة الفرنسية الآن هو العمل  على المحافظة على وحدة  الجزر، وإن الممثلين المنتخبين من الجزر الثلاث … قرروا إعلان الاستقلال بالإجماع، وأنهم على علم بأن موقف مايوت – الجزيرة الرابعة- لن يتبدل إزاء خطوتهم … فأهل مايوت وراء الانفصال، وأن فرنسا تعطي الإستقلال ولكن لا يمكنها إعطاء الوحدة …” 

( صحيفة  الرياض 17 /7 / 1975 م) 

أما الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، فلم  يتحرج  في عام 2010  في أن يقول “أريد أن أوضح للجميع : أن أقاليمنا فيما وراء البحار هي فرنسية، ولن أترك لأحد؛ ولا لأية قوة أجنبية، مهما كانت، الحق في أن تقرر من هو الفرنسي، ومن هو غير ذلك فـ “مايوت” هي فرنسا وسوف تظل كذلك إلى الأبد، وستصبح عام 2011 المقاطعة الفرنسية المائة والواحدة …” 
الدكتور حامد كرهيلا ، من أراضينا المحتلة مايوت قمرية  صـــ1)

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *