إشكالية اللاجئين بين الحقائق والحقوق (الجزء الثاني)

   بقلم شمس الدين الديبواني – ماجستير في الأدب السياسي والنقد 

3- مايوت نيران جزر القمر الشقيقة .. (تكملة)

إذن، إن عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والإقتصادي .. في الجزر الثلاث إنما هو نوع من المطبخة الدبلوماسية الإستعمارية الفرنسية، وإن جاءت إشارتها من الجيران ..!  فقد ظهرت موجات الهجرة والاغتراب إلى فرنسا بأعداد متزايدة  تقدر بما يربو على مائتي ألف مهاجر قمري – ثلث سكان الأرخبيل – منتشرون في المدن والقرى والضواحي الفرنسية؛ لا سيما في مرسيليا التي تحتضن النسبة العالية منهم وبالتالي خلع عليها اسم الجزيرة الخامسة .

 و ضحايا تأشيرة بلادويير يبلغ عددهم أكثر من عشرة آلاف قمري من الرجال والنساء والأطفال والرضع، .. وقد تحولت المسافة الواقعة بين جزيرتي أنجوان ومايوت بسبب جدار برلين العازل الذي بناه بلادوييروباسكوا إلى مقبرة جماعية حقيقية مهولة لأولئك القمريين الراغبين في التنقل داخل بلادهم لزيارة ذويهم أو العيش في أرضهم مايوت، والذين تحصد أرواحهم ليل نهار بكل قبح ووحشية . 

 وهكذا يذكرنا – هذا الوضع المأساوي المخيف-  بالاسم العربي  لهذه  الجزيرة، جزيرة الموت والذي أطلقه العرب عليها لما كانوا يلاقونه من ظروف ومأساة تشبه وضعنا اليوم مع الفارق؛ فالقاتل في أيامهم الشعب المرجانية التي كانت تحيل السفن من المرور .. وقاتلنا اليوم هو من بني جلدتنا بإيعاز من المستعمر المستبد !

كما أن هذا التحريف الفرنسي المقصود للاسم إنما هو طبيعة لسياستهم القائمة على تزوير الحقائق ،  والتاريخ وتحوير الأسماء،  وطمس المعالم  وكل ما يمت بالعرب والإسلام بصلة، وهو ذلك الاسم العربي – جزيرة الموت- يظهر للأسف الشديد على كنهه وحقيقته الأن ،  ومما يزيد الطين بلة ويدفع الحمية إلى الجنون : أن معظم الزوارق التي تغرق بضحاياها في عرض البحر وتقذف بجثثهم الأمواج المتلاطمة – من غير رحمة ولا شفقة ولا إنسانية –  على السواحل  ليست بسبب نفاد بنزين أو سوء الأحوال الجوية وإنما برصاص من حرس الحدود البحرية الفرنسية من غير وازع ولا رادع ،  فأين  ياترى  القانون الدولي  الإنساني ؟!  أليست هذه جرائم ضد  الإنسانية .” 
 الدكتور حامد كرهيلا  ، من أراضينا المحتلة مايوت قمرية  صــــــــ  118

 والغريب كما يقول صاحب كتاب من أراضينا المحتلة مايوت قمرية  الدكتور حامد كرهيلا ”  أن هذه الدولة – فرنسا- العريقة ذات العضوية  الدائمة  في مجلس الأمن، والتي شعارها الحرية  والمساواة  والإخاء  وتزعم حمل لواء حقوق الإنسان ورسالة  العلمانية، تدوس على ثوابتها ومبادئها وقوانينها ، وتحول هذه  الجزيرة  المسلمة إلى منطقة شبه خارجة عن القانون  لا تخضع لنفس القوانين  المعمول بها لديها، فكيف لهذه الدولة العضو المؤسس الفاعل  للاتحاد الأوروبي ،  التي سعت جاهدة  لتوحيد 27 دولة ، ذات لغات وثقافات  واقتصاديات مختلفة ، وأنظمة  سياسية متباينة  وعدد سكان يربو نحو مليار نسمة، ومساحة اجمالية تبلغ  4324787كم 2 وتسعى – في الوقت ذاته- لتفكيك وبلقنة الجزر القمرية  الأربعة ، التي دينها واحد ولغتها واحدة ، وثقافتها واحدة وعاداتها واحدة  والتي لا تبلغ مساحتها الإجمالية  إلا-   2232كم 2  – ولم يتجاوز عدد سكانها  بعد ثلاثة أرباع مليون  نسمة ، وكيف ترفض  هذه الدولة  العلمانية – وعلى لسان  رئيسها نيكولا ساركوزي  صاحب وعد بلفور القرن الواحد والعشرين ، انضمام الجارة  تركيا العلمانية  مثلها إلى  هذا الكيان الأوروبي ، وتحمل إليه على كاهلها جزيرة مايوت القمرية التي  تبعد  عن القارة العجوز بأكثر من 80000كم ؟!   ” 
الدكتور حامد كرهيلا ، من أراضينا المحتلة مايوت قمرية  صــ 8

وهكذا دائبت السياسة الفرنسية على  بث كل أنواع الرعب والخوف  في بقية الجزر القمرية  بهدف الهيمنة والسيطرة عليها سياسيا واقتصاديا بل وثقافيا واجتماعيا ،  فاستعمار مايوت  هو بمثابة سكتة قلبية لبقية الجزر الثلاث ” و جزيرة مايوت القمرية هي جزيرة عربية إسلامية حكمها العرب من النباهنة والمناذرة العمانيون قبل أن ينصب أندريانباتسولي ( وهو ملك ملغاشي مخلوع هرب من بلاده إلى جزيرة مايوت عام 1832 )  نفسه سلطانا عليها عام 1836م،  وقام هذا السلطان الغاصب وبضغط من الفرنسيين  بالتنازل عن الجزيرة ، بموجب معاهدة تم توقيعها بينه وبين مندوب محافظ فرنسا في  بوربون 25 أبريل عام 1841  ، مقابل مبلغ سنوي زهيد ، خمسة آلاف فرنك فرنسي ، ثم أخذت فرنسا – بعد ذلك-  تعمل بجهد جهيد حتى بسطت نفوذها  وسيطرتها  على الجزر الثلاث  الأخرى ،  بموجب  معاهدات حماية ، انتزعت  انتزاعا من سلاطينها عام 1886 م .  

ومن هنا أصبحت الجزر الأربعة القمرية مستعمرة فرنسية  ، ألحقت بجزيرة  مدغشقر عام 1912 م  فكانت مستعمرة داخل مستعمرة  أخرى ، ثم فصلت عنها عام 1946م  بعد الحرب العالمية الثانية  ومنح لها مع بداية  الستينات من القرن المنصرم  حكم ذاتي  استمر حتى  الإعلان عن نيل  الاستقلال  من جانب  واحد في ( يوليو 1975 م بعد استفتاء  شعبي  أجري  برعاية  الأمم المتحدة ، في شهر  ديسمبر  من العام  الذي قبله وكانت النتيجة 95% لصالح  الاستقلال  و5% وراء الانفصال .

إلا أن فرنسا راوغت كعادتها واستكانتها وبثت أسفين الفتنة  والانفصال ، ورتبت كل الأوراق  للاحتفاظ بمايوت لموقعها  الجيو- ستراتيجي – المتميز ، وممر ناقلات ثلثي بترول دول  الخليج  إلى أوربا ، ومن هنا رفضت هذه النتيجة رفضا كاملا وأصرت على اعتماد نتيجة كل جزيرة إصرارا كبيرا .. واعتبرت أن الـ5 % المذكورة  هي لجزيرة مايوت مما يعني  أن أكثر من 65 % ممن صوتوا  في مايوت  اختاروا البقاء  تحت الإدارة الفرنسية ، وعلى هذا الأساس وافقت فرنسا  على استقلال الثلاثة دون الرابعة  مايوت .  

 وعلى الرغم أن الأمم المتحدة ، ومنظمة الوحدة الأفريقية ( الإتحاد الأفريقي حاليا) ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، ودول عدم الانحياز ، وجامعة الدول العربية ، قد اعترفت باستقلال جزر القمر  بجزرها الأربعة وبسيادتها على  جزيرة مايوت  ، معتبرة احتفاظ فرنسا بها احتلالا أجنبيا ، وناشدتها ، من خلال عشرات القرارات بإعادة هذه الجزيرة إلى وضعها الطبيعي ، بيد  أن فرنسا التي بيدها عصا الفيتو ، أصمت أذنيها عن تلك المناشدات والمطالبات ، فلم تتمثل بقرارات الشرعية الدولية ، ومضت – متغطرسة ومتعجرفة- في ابتلاع هذه الجزيرة العربية المسلمة شيئا فشيئا بقانون القوة لا بقوة القانون على مرأي ومسمع العالم” .  
الدكتور حامد كرهيلا ، من أراضينا المحتلة مايوت قمرية  صــ8

وهكذا  تحولت جنان  القمر  إلى  جحيم مرعبة ، إلى  شبه دولة في حالة حرب حيث المهاجرين في كل مكان والفقر الدكر يقتل نخوة الوطنية ، والعشوائية ترسم الحياة والفساد بات نوع من الحكم الرشيد، ليت شعري .. ومهما كانت مناشدات وخطابات الرؤساء القمريين ..ومهما كانت قرارات المنظمات الدولية والمحلية .. ومهما كانت الحقائق والمصائب فإنها ماضية  في طريقها  غامضة عينها لأنها – ببساطة – من تضع القوانين الدولية لا جزر القمر .. وهكذا كانت قصة تلك  الجزر الجميلة وهكذا كان وضع المهاجرين منها ! .  

4- الحروب والثورات ..جولات أخرى من معانات المهاجرين

أما معانات المهاجريين التي  أنتجتها الحروب والفقر أو الثورات العربية،  فهي  ليست أهون من معانات المهاجرين بسبب الاستعمار،  وما يحدث الآن من قفزات مرعبة من هذه المعانات  قد تمت الإشارة  إليها من قبل ، لا سيما في عام 2015  حين أشارت مفوضية  السامية  للأمم المتحدة  لشؤون اللاجئين والتي  قالت  حينها   :   ” أن النزوح القسري حول العالم  سيزيد  أكثر في عام 2015  ، و أن هذه الزيادة  قد تتخطى  كل الأرقام  القياسية  المسجلة  سابقا،  جراء عبور  ما يقاربالمليون  شخص  البحر الأبيض  المتوسط كلاجئين ، ومهاجرين  حتى الآن ، ومع استمرار الصراعات  في سوريا  وفي أماكن أخرى،  وهذا طبيعي فقد ازدادت الحروب  والمعانات بالفقر  في الدول  فكان لا بد أن يظهر  هذا النزوح الناجم عن النزاعات والاضطهاد حول العالم ” ب ب س العربية 2014 .

وهذا ما حدث بالفعل فمعانات اللاجئين في تزايد مخيف  ومرعب،  وما أشهد من ذلك من تقارير المنظمات الأهلية والدولية؛ فقد  أكدت  منظمات بلا حدود  أن أكثر من 1200 و2000 مهاجر أصولهم من أفغان وباكستان  كانوا  في الشوارع – حسب منظمة العفو الدولية – منذ أكثر من شهرين تقريبا ، في مكان  مهجورة  في عاصمة صربيا بلغراد ،  في حين أن الحكومة الصربية وجهت  رسالة مفتوحة  لها إلى المنظمات  في أن تتوقف  عن مساعدة  المهاجرين  الذين يعيشون  في شوارع  العاصمة ، وهذا التهديد الفج لم يمنع بعض العاملين في المجال  الإنساني  أن يتحدوا السلطة  الصربية، ويذهبوا إلى عين المكان لتوزيع الملابس والأغذية لكن بسبب نقص الإمكانيات يصعب عليهم ضمان ظروف إيواء أفضل  للاجئين.

  وحسب ماروته  إحدى المتطوعات المستقلة  وهي السيدة نادين … أنه “عند الدخول إلى  مخازن اللاجئين  يشعر المرء بصعوبة  التنفس” وقد نددت المنظمات بسد الحكومة  الصربية  الطريق أمام المساعدات الإنسانية  كي تدفع  المهاجرين إلى الذهاب إلى المخيمات  الرسمية . 
  تقرير الأمم المتحدة عن اللاجئين 2015 .  اعداد مركز الشرق العربي

أما معانات اللاجئين  بسبب الثورات العربية  فقد طغت هذه المعانات كل التخيلات البشرية  والإنسانية  وهذا مادفع وزير خارجية لوكسمبرج أسليبون إلى  القول :”  إن الإتحاد  الأروبي فشل حتى الآن في التجاوب مع تدفق  مئات الآلاف من المهاجرين  إلى أوروبا  هربا من الدول التي  مزقتها الصراعات في منطقة الشرق الأوسط  وأماكن أخرى” .  ديسمبر 2015 طباعة الإتحادالأروبي

  وهذه  هي عين الحقيقة  فهناك حتى الآن آلاف من أطفال سوريا منفصلون عن عائلاتهم وموزعون  على دول المنطقة – وبحسب  الممثل المقيم لمكتب الأمم المتحدة  لشؤون اللاجئين  في الأردن – أندروهاربر، يبلغ عدد  الأطفال  السوريون المنفصلون وغير المصحوبين بأسرهم 3800 معتبرا  أن هؤلاء يواجهون مشاكل عدة  نتيجة  ابتعادهم عن أسرهم .

   الخليج أونلاين : مسح أممي 

والحقيقة  أن الأسباب الكامنة لظهور الأطفال منفصلين  تعود إلى وفاة أو غياب  الوالدين  والهروب من التجنيد  والبحث عن فرص عمل  وحماية الفتيات من العنف الجنسي  نتيجة للصراع بينما يشكل الفقر المدقع وقرار  الأهل العودة إلى سوريا وبقاء  الأطفال بعد اللجوء  أسباب ثانوية .  

معانات اللاجئين لا تتوقف عند حد الحدود – كما أوضحنا سابقا  في حالة صربيا-  بقدر ما تشتعل جذوتها في البلدان المهاجر إليها ،  كما أن لهؤلاء الأطفال  المشار إليها أنفا –  بدائل للرعاية أبرزها  : الإقامة في منزل  أحد أقربائهم ،  إلا أن هذا البديل  غالبا ما يترتب عليه  أعباء مالية عالية  على الأسرة المضيفة ، خصوصا مع تناقض الدعم المقدم لعائلات اللاجئين  السوريين،  – هذا بالإضافة إلى جانب ظروف  المعيشة  الصعبة  المتمثلة  في الانسحاب من المدارس  والعمالة  والزواج المبكر . 
  فيما كشفت دراسة صادرة عن مركز المعلومات  والبحوث  بالأردن  عام 2015 ، عن تعرض  الأطفال  السوريين  المنفصلين عن أسرهم  للعنف ، ودعت إلى مزيد من الجهد لحمايتهم من أشكال العنف المختلفة ، وحذرت الدراسة  من الأثار السلبية الناجمة  على طول فترة إقامة الطفل مع الأسرة  البديلة،  لا فتة إلى  أن تلك الأثار السلبية ترتبط بالعامل المادي والضغوط النفسية  والاجتماعية  التي تصيب  أسر اللاجئين  وبالتالي تنعكس سلبا  على التعامل مع الطفل ، ودعت إلى ضرورة  توفير خدمات ادارة  الحالة لهؤلاء الأطفال لضمان بقائهم في الأسر البديلة  ضمن أجواء صحية وآمنة .