أزمة الهوية الوطنية القمرية في ظل تصاعد الحكومات المتعاقبة

الدكتور/ عبده ممادي مرامعانا – دكتوراه في القانون العام
تواجه العديد من الدول المعاصرة بصفة عامة، ودول العالم الثالث بصفة خاصة، حيث تعاني الدولة المعاصرة من مشاكل تشكل خطورة على وحدة ترابها ووطنيتها بالانصداع والانهيار، ولعل من أخطر هذه المشاكل والأزمات وأكثرها جدلا في الساحة السياسية داخليا، هي الهوية الوطنية المتعلقة بتكوين شعور مشترك بين أفراد المجتمع الواحد حتى يتميزوا عن غيرهم من المجتمعات الإنسانية القديمة والحديثة. وتعد جزر القمر الحبيبة من بين الدول الرئيسية التي تعاني من هذه المشكلة المعوقة منذ نشأتها وخروجها من الاستعمار الفرنسي الغاشم، وإحقاقا للحق، فقد كان المجتمع القمري يعاني من الزعامات القبلية والمناطقية قبل الاحتلال، ومع ذلك كانت مظاهر أزمة الهوية الوطنية غير جلية مقارنة بما نشاهده في الآونة الأخيرة.
فمنذ استقلال دولة جزر القمر من الاستعمار الفرنسي عام 1975م، مرورا بما يمكن تسميته بالدولة القمرية الحديثة ووصولا إلى وقتنا الحاضر، مرت أزمة الهوية الوطنية بمراحل مختلفة، ولو بدرجات متفاوتة بين حقبة وأخرى، لكنها أخذت تتصاعد بشكل رهيب ومخيف، بداية بوقوف جزيرة مايوت مع الاحتلال وتصويتها ضد الاستقلال عكس أخواتها الثلاث، وخيارها للبقاء تحت نار الاحتلال، وبالتالي تركت هذه الخطوة العدوانية لدى الجزر الثلاث أثرا سلبيا يهدد الهوية الوطنية، بل وتشكل تهديدا وجوديا خطيرا للدولة القمرية برمتها منذ نشأتها الحديث. وازداد الأمر سوءاً بعد نشوء الحركات الانفصالية في كل من جزيرتي أنجوان وموهيلي بعد تولي الرئيس محمد تقي عبد الكريم الحكم، ولم يتوان عن إظهار مخاوفه وشكوكه حول الأحزاب السياسية الأساسية في أنجوان، و اتهامه لها بقيادة حركة الانفصال.
ورغم ذلك، فإن القادة السياسيين في أنجوان تمسكوا في ظل قيادة الرئيس عبد الكريم البلاد بمطلبهم، وهو الوصول إلى المربع الذهبي الذي يتنافس من أجله جميع السياسيين. “الوصول إلى صر بيت السلام”! فكان قرار إعلان الانفصال هو الحل الوحيد المدبر من قبلهم للوصول إلى بيت السلام مجددا. فأصبحت الدولة القمرية تواجه هذه الفوضوى السياسية التي تم تفجيرها تحت المؤتمرين المنعقدين في أنتناناريفو وموهيلي، اللذان جمعا النخب السياسية القمرية القادمة من الجزر الثلاث لمناقشة أزمة الهوية الوطنية وكيفية تشكيل الحكم المشترك. كل ذلك جعل هذا البلد مهيئاً لفقد أغلب الروابط والأواصر الوشيجة التي كانت تشد لحمته وتراصه.
 إن نظرة متأملة في الواقع السياسي والاجتماعي القمري في مرحلة الاحتلال وما رافقها من تداعيات تكشف حقيقة أنه يسير نحو منزلقات خطيرة غير محمودة، وزاد الطين بلة في ظل الحكومات الجديدة بعد بدء العمل باتفاقية التبادل السلمي للسلطة، لأن البلاد مرت وتمر وستمر بمرحلة انتقالية خطيرة، ظاهرها الحرية والديمقراطية، وجوهرها تهديد وهدم البنية الاجتماعية والسياسية. وهذا ما نشاهده الآن على الصعيد المحلي، ولا يخفى عليكم جنوح الرئيس إلى الدكتاتورية، والقبض العشوائي الخالي من أية مبررات قانونية، والصراع الحزبي، وعدم السماح للمعارضة بإبداء رؤيتها في المناسبات الخاصة فضلا عن العامة. كل ذلك يهدد بطمس الهوية الوطنية القمرية، وتفكيك رموزها ومقترباتها، لاسيما مقتربالإسلام. ومن أجل تسليط الضوء على أزمة الهوية الوطنية القمرية ودراستها من كل جوانبها الداخلية والخارجية والبحث عن الحلول والمخرج لها، سننطلق معكم بإرادة العزيز من فرضية مفادها أن الاحتلال الفرنسي في جزيرة مايوت أسهم في ترسيخ أزمة الهوية الوطنية القمرية من خلال تكريس الولاءات الفرنسية وإملاءاتها.