اللغة العربية للمسجد والمناسبات الدينية.. الفجوة المعرفية في جزر القمر تعرف على الأسباب

حين يطرح مثل هذا السؤال يتبادر إلى الذهن الجواب بنعم،  حيث سيقول الإنسان بأنه طالما هناك تباين في مستوى المعيشة ومستوى التعليم فبالتأكيد لابد أن تكون هناك فجوة في المعرفة  والإنسان في ذلك محق تماما دون أدنى شك. فمن لديهم مستوى أفضل اقتصاديا وثقافيا لديهم حظ أوفر للحصول على المعرفة ومن ثم استيعابها  من الذين لديهم مستويات أقل.
فالفجوة المعرفية  هي عبارة عن قدرة قطاع من المجتمع في اكتساب  المعرفة واستيعابها بمعدل أسرع من قطاع آخر، ربما لا يتمكن من اكتسابها ، وقد يكون بسبب اختلاف المستوى الاقتصادي أو التباين الثقافي.
هذا التعريف أقرب إلى واقع يمكن أن ينطبق على حال جزر القمر نظرا لعدم التوازن في مستوى المعيشة بين السكان ، لكن الأمر يأخذ بعدا آخر، ألا وهو التباين المعرفي بين متعلمين تساوت بينهم  الظروف المعيشية  والثقافية إلا أن شيئا ما يفرق بينهما . وهي
اللغة التي تعمل بها دولة جزر القمر بالفعل
جمهورية القمر المتحدة التي يعترف دستورها بثلاث لغات رسمية ؛ اللغة القمرية واللغة الفرنسية واللغة العربية،  تشهد  هيمنة  للغة  الفرنسية  على حساب اللغة العربية والقمرية  وهذا الأمر يستطيع أي إنسان ملاحظته  وقد يكون ذلك توجه  تسانده رجال الدولة.
 وينجلي ذلك في عدة أمور ، ابتداء من دستور الدولة الذي صيغ باللغة الفرنسية كلغة أصلية  وليست القمرية ولم تتكفل الدولة بنقلها إلى اللغة العربية  قبل التصويت عليه وحتى بعده  فالذي يبحث عن دستور جزر القمر في المواقع الرسمية للدولة لا يجده إلا بنسخته الفرنسية، وتصدر التشريعات في جزر القمر باللغة الفرنسية، كما تصدر الحكومة بياناتها في أغلب الأحيان باللغة الفرنسية، وحتى المواقع الرسمية للدولة على الشبكة العنكبوتية  لا تتوفر إلا باللغة الفرنسية فقط باستثناء موقع وزارة الخارجية الذي يبث باللغة العربية والفرنسية .
وعلى صعيد الاتصال الجماهيري قد يكون التلفزيون والراديو قد حلا مشكلة اللغات في جزر  القمر لكن ما هو معروف أن المحتوى المقروءة هي التي تقدم تفاصيل أكثر نظرا لمعالجتها القضايا المختلفة بعمق، وخاصة في ظل هرولة الشباب إلى المحتوى الإلكترونية المكتوبة.
 فنجد أن الدولة همشت اللغة العربية  في جريدتها الرسمية الوطن ولا نحتاج إلى جهد لنبرهن بذلك وكذلك معظم الصحف الخاصة التي لها بث إلكتروني لا توفر نسخة باللغة العربية،  مما يجعلنا نقول بأن هوة معرفية  في جزر القمر تكون  إلى الواقعية  أقرب منها إلى المحتملة ، فيكون مجيدو اللغة الفرنسية إضافة إلى ذوي المستويات الاقتصادية المرتفعة هم من لهم الحظ الأوفر في الحصول واستيعاب المعرفة.
لكل مواطن قمري حق في المعرفة والتعبير
حرصت الدساتير التي عرفتها جزر القمر في تأكيد حق المواطن القمري في المعرفة وحقه في التعبير  فقد جاء في المادتي 28 – 29 من دستور 2018 أن الدولة تضمن حق التعبير والمعرفة للمواطنين،  مما يلزمها بتوفير الوسائل اللازمة للحصول على المعرفة والتعبير لكل شرائح المجتمع مراعية المساواة التي يكفلها الدستور والقانون وهذا الحق يؤيده أيضا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة  فعلى الدولة أن تهيئ الفرص متساوية  لجميع مواطنيها في الحصول على المعرفة من غير محاباة فريق دون آخر.
ويمكن لأي شريحة من السكان تشعر بأنها لا تحصل على يكفيها  من المعرفة  المطالبة بحقها الذي يكفله الدستور والقانون وعندما تتبنى الدولة ثلاث لغات رسمية للعمل بها فلا بد من توفير جميع المعارف بكل تلك اللغات وهذا الأمر ضروري في مجتمع مثل المجتمع القمري الذي عجزت الدولة تطوير اللغة المحلية لتكون لغة قادرة على نقل المعارف، فهي لغة لا تتجاوز التعامل الشفهي اليومي ويصعب التدوين بها لتبقى اللغة الفرنسية والعربية لغتا التعليم والكتابة  وفي ذلك أصبح المجتمع القمري  منقسم إلى فرنسي وعربي الثقافة  مما يلزم الدولة أن تراعي هذا التباين.
الأبعاد السياسية في هيمنة الفرنسية
سعت الامبراطورية الفرنسية حين وجدت نفسها مرغمة  لمنح الحرية للبلاد التي احتلتها أن تبقي علاقة روحية بينها وبين مستعمراتها  عن طريق زرع الثقافة الفرنسية في الشعوب المحتلة  وإعلاء اللغة الفرنسية  لديها، وكانت هناك بلدان لم يكن لديها مخرج إلا اعتماد الفرنسية كلغة رسمية حيث تتعدد فيها اللغات المحلية  ولم تكن الحالة كذلك في جزر القمر التي تتحدث شعبها لغة محلية واحدة، فشلت محاولات تطويرها بمقتل الرفيق علي صالح الذي بذل جهدا كبيرا في جعل اللغة القمرية لغة ترتقي إلى أن تكون لغة التعليم،  ولم تكن الفرنسية لغة  أصيلة في المجتمع القمري فرغم تحدث الناس باللغة القمرية التي استمدت جذورها من السواحيلية لكنهم  كتبوها بالحروف العربية،  وكانت السلاطين تعتمد اللغة العربية  في التدوين يشهد ذلك اتفاقية تسليم مايوت للفرنسيين، ومعاهدة الحماية بين سيد علي سلطان انجازيجا وفرنسا، والعملة التي صكها باللغة العربية، ولم تفتح المدارس الفرنسية في جزر القمر إلا بعد الحرب العالمية الثانية  ودخلها أبناء الصفوة الذين تم تأهيلهم لحكم البلاد.
 وبعد استقلال البلاد هرولت فرنسا إلى دعم نمو اللغة الفرنسية في جزر القمر عبر المراكز الثقافية وعبر منظومة الفرنكوفونية وبمؤازرة من كثير من القادة المحليين لا يعرف دافعهم في ذلك، ربما قد يكون رغبةَ التقرب إلى سيدهم السابق.
وقد سجلت مبادرات عربية لدعم اللغة العربية في جزر القمر حين قدمت هذه الأخيرة طلبا للالتحاق بالجامعة العربية في سبعينيات القرن الماضي تمثلت في إرسال مطبعة  بالحروف العربية إلى جزر القمر لكن الرفيق علي صالح قام بتبديل حروفها إلى الحروف اللاتينية ، في بادرة يصعب فهمها رغم عداوتها للسلطات الفرنسية  وقام العرب بإمداد جزر القمر بمناهج تعليم اللغة العربية وفتح مدارس تعتمد اللغة العربية كلغة التدريس إلا أن قادة حكومات سابقة أجبروها على التدريس باللغة الفرنسية، ومعاهد الرابطة الإسلامية مثل حي في ذلك
 عواقب الفجوة المعرفية  في المجتمع 
الفجوة في المعرفة تقود حتما إلى شرخ اجتماعي بين فئة تحصل على كل المعارف التي تؤهلها على الهيمنة  وبين فئة مهمشة  ربما قد تكون اليوم غارقة في السبات، فئة لن تستطيع معرفة ما لها وما عليها من حقوق وواجبات فئة لن تستطيع المشاركة في النهوض ببلدها ومن الممكن أن تشكل هذه الفئة بارودا قد يفجر أزمة، في بلد لم تهدأ حتى الآن من الأزمات، حينما ستجد نفسها محرومة  من كثير من الفرص بسبب اللغة التي تجيدها خاصة في دولة يعترف دستورها باللغة العربية  كلغة رسمية.
ستجد الدولة نفسها في يوم من الأيام أمام فئة كبيرة محرومة من التنمية البشرية ولا يمكن الاعتداد بها في عجلة التنمية  لأن برامج التأهيل لا تطالها بسبب عائق اللغة  فمعظم برامج التأهيل في جزر القمر تدار باللغة الفرنسية وكذلك الندوات والمؤتمرات العملية  في كل قطاعات الحكومة  ولا يمكن لمن يتحدث بالعربية كلغة أنهى تعاليمه بها أن يشارك فيها وإن شارك فلن تكون على أتم قدرته في الاستيعاب.
  وفي هذا الصدد يذهب تقرير نشرته اليونسكو بتأييد نشر المعرفة بالتساوي بين الناس بكون المعرفة مصدرا للاستقلال الذاتي ومدعما للقدرات، يمكن أن تكون أداة حاسمة للتنمية، ففي الاقتصاد المؤسس على المعرفة يشكل الرأسمال البشري المصدر الرئيسي للدخل.
هل قام المستعربون بما يلزمهم في النهوض باللغة العربية  
تم حشر اللغة العربية في جزر القمر في الزاوية الدينية حتى بات من تعلم في أي دولة عربية يعتقد أنه لم يتعلم إلا الشريعة الإسلامية، وإن تعلم الطب أو الهندسة، مما يجعل فرصه في أن يقبل المجتمع بحقيقته ضئيلة،  ولم يسع جموع المستعربين إلى ضغط السلطات لإعطاء اللغة العربية مكانتها  التي يكفلها الدستور، وربما علينا أن نسجل للرئيس أحمد عبد الله سامبي الذي أجبر الطلاب على النجاح في اللغة العربية شرطا لنجاحهم الكامل، في وقت كان يتم إهمال مادة اللغة العربية في المدارس, وحتى ذلك الحين لا يلاحظ توجها للسلطات لرفع مكانة اللغة العربية أو لخدمة من لا يجيد الفرنسية من أبناء شعبها
لذلك إذا لم تتحرك الفئة المهمشة  لطلب حقها في المساواة في المعرفة فستظل الحالة كذلك لفترة طويلة في وقت باتت الجامعات في السودان وفي المملكة العربية السعودية تستقدم المزيد من طلاب جزر القمر إضافة إلى كلية الإمام الشافعي التي وسعت بنايتها لاستقبال العدد المتزايد من الطلاب وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي:
ما حك جلدك مثل ظفرك          فتول أنت جميع أمرك
وإذا قصدت لحــــاجـــة           فاقصد لمعترف بقدرك

كتبه حامد محضار علي

_______________________

المصادر :

Cecilie gaziano. Knowledge gap: history and development. The international encyclopedia of media effects.2017

Projet de revision de la constitution de l’union des comores du 23 Décembre 2001 révisée en 2009 et en 2013

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة ، التقرير العالمي لليونسكو عام 2005