مستبد لكنه مستنير.. قراءة في الفكر السياسي للزعيم الراحل والمنقذ علي صالح امتساشيوا

بقلم /محمود محمد مهموما – محلل سياسي
من خلال بعض خطاباته الجماهيرية التي كان يشرح من خلالها فلسفته السياسية و الرؤية الاستراتيجية التنموية و التطورية في بناء دولة جديدة حرة و مستقلة قادرة على صنع كل شيء بسواعد أبنائها ، علي صولح رئيس مستبد من طراز رفيع شكل نظاما تسلطية لا نظير له في تاريخ جزر القمر بعد الاستقلال .
بعد استقلال جمهورية القمر المتحدة من المستعمر الفرنسي الغاشم عام ١٩٧٥ بقي المستعمر الفرنسي مهيمنا على المشهد السياسي القمري من خلال مجموعة محددة من الطبقات البرجوازية و الإقطاعية تتألف من ضباط الجيش الفاسدين و كبار العاملين في جهاز الدولة و بعض العمال الحرفيين و الزراعيين ، كرس ثقافة التغيير في السلطة على الانقلابات العسكرية من ضباط الجيش الذين انشغلوا بالتدخل في الحياة السياسية فأصبحوا يطيحون بعضهم البعض عن طريق الانقلابات العسكرية و بمساندة و دعم كامل من المرتزقة الفرنسيين المحترفين ، لكن هناك مرحلة من المشهد السياسي القمري شهدت فترة ازدهار و نمو اقتصادي و زراعي بقيادة الزعيم الراحل علي صالح متساشيوا رحمه الله ،
طبيعة الأفكار السياسية للزعيم علي صالح متساشيوا :
اتسمت الأفكار السياسية التي قام عليها الفكر السياسي للزعيم بسمات أساسية:
1- قمرية المفاهيم، استنادا إلى خصوصية المجتمع القمري، بأفكار غربية ؛ مفهوم الاشتراكية ، المساواة الاجتماعية ، الانقلابية – هذه المفاهيم اكتسب بعدا انسانيا و تعليمية في الفكر السياسي للزعيم على صالح و مضامين مختلفة في خطاباته السياسية الجماهيرية ، استنادا إلى الواقع المؤلم والتاريخي و خصوصية المجتمع القمري في تلك الفترة بعد الاستقلال بعدة أشهر
فقد تبنى الزعيم شعاراً و مفهوما اشتراكيا في فلسفته السياسية و رؤيته التنموية لبناء الدولة ( سياسة يا وُفاكُوزي وَوُ ساوَا وَ معِيشا) سعى الراحل من خلاله إلى تغير جذري للمجتمع القمري اجتماعيا و سياسيا و اقتصاديا ،
2- الازدواجية في اللغة المستوحاة من المصادر الخارجية و اللغة المستوحاة من المصادر المحلية التقليدية في صياغة الفكر السياسي ( شرح المصطلحات التي كان يطلقها – الاشتراكية – المساوة – العدالة الاجتماعية ) باللغة المحلية ثم التركيز على أهمية المكون التقليدي في إظهار الشخصية القمرية ، و الاستخلاص من المفاهيم السابقة نموذجا يوافق المجتمع القمري بخصوصيته و توجهاته و أخلاقه الاسلامية و حب الوطن . استخدم مفاهيم تؤدي إلى توحيد الأمة القمرية مثل ( واسي وكمور – ونانتسي وكمور أي نحن القمريون – أبناء أرض جزر القمر) و إظهار القيم الجماعية التقليدية التي تقوم عليها المجتمع القمري ( وَكُمُوْرِ (القمريون) مجتمع مخصوص – دين مخصوص يختلف عن بقية المجتمعات الأفريقية )
مصادر الفكر السياسي ( للزعيم علي صواليح ):
يمكن ملاحظة المصادر الأساسية في صياغة الفكر السياسي للزعيم في:
١ الموروث التقليدي الشعبي القمري ، يشمل تأثير الدين الإسلامي تحديدا في الأفكار، و القيم الإسلامية المتعلقة بالحكم قد أثرت في الفكر السياسي للزعيم كونه مسلما يحكم مجتمعا إسلاميا ، و من جهة أخرى، مفاهيم السلطة و القيم الجماعية المتعلقة بنظم السلطنة التي جسدتها النظم السياسية التقليدية ومصدرا مهما للأفكار السياسية في مرحلة ما قبل الاستقلال ،
2-الأفكار الغربية و الفرنسية ، المؤسسات كانت تدار بنمط الحكم الفرنسي الاستعماري ، كذلك الزعيم نادى بتبني المفهوم الاشتراكي في التنمية الذي هو أساساً مفهوما غربيا
٣-تأثير الحركات الثورية القمرية التي تشكلت في دول الجوار ( مدغشقر تانزانيا… ) كانت لها أهمية كبيرة في الفكر السياسي للزعيم كونه من الكوادر الثورية لتلك الحركات،
الزعيم علي صالح متساشيوا قام بإحداث ثلاث ثورات :
١- ثورة زراعية(إصلاح زراعي )
٢ – ثورة تعليمية ( التعليم الإجباري لكل شرائح المجتمع )
٣ – مقاومة المستعمر و أدواته الخارجية و الداخلية الذين سماهم أعداء الدولة ( مَعَدُيِ وَهِي لِطَيْفَا) ثم حددهم بفئات معينة : ١- البورجوازيين ٢- الإقطاعيين ٣-و الفرنسي الأسود ( القمري الذي اختار الوقوف بجانب الدولة الفرنسية ضد الدولة القمرية الجديدة ) ٤- قوى الرجعية من الفلاحين و المهنيين الذين يستمدون قوتهم من النظام التقليدي للمجتمع (العادة والملة) و الاستعانة بالسحرة و المشعوذين ،
المكونات التي أعدها الزعيم على مقاومة أعداء الدولة هي:
1- الطبقة العاملة ، تمكنت من الثبات في كفاحها المستمر ضد أرباب العمل و ملاكي الأراضي، و تلك الطبقة من الفلاحين والمهنيين وصغار الكسبة
،٢-لجان الدفاع عن الثورة ( الكوميتي) هي بمثابة الجهاز التنفيذي وسلاح الطبقة العاملة و الحكومة و التي بسطت سيطرتها على جميع نواحي المجتمع ،
أهم القضيا في الفكر السياسي للزعيم، هي قضية الاشتراكية و المساوة و العدالة الاجتماعية :
( سياسا يا وُفَاكُوْزِي وَوُسَوَا وَماعِيشا مْوِنْدِيْلِيُو وَدِيْما) رؤية الزعيم حول الاشتراكية تمثل التطبيق العملي لأيديولوجية العملية التنموية بمعنى أدق انتاج نظام اشتراكي زراعي تنبع من الجذور القمرية من حيث خصائصه و بنيته ، وكان هذا بمثابة اعلان استقلالي أيديولوجي لإحداث تغيير جذري في بنية المجتمع القمري،
ثورة الزعيم أخذت بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع القمري ودرجة تطورها ومدى تأثيرها بالمستعمر الفرنسي ، فكان يقدم شروحات حول فلسفته و فكره السياسي و رؤيته الاستراتيجية في بناء الدولة و المجتمع وذلك في كثير من خطاباته
{بلدنا بلد زراعي متخلف حيث ثقل العادات و التقاليد الموروثة التي تفرز نمطا من التنظيم الاجتماعي والإقطاعي وأيديولوجية السحر و الشعوذة ، يؤثر على نمط العيش (للمزارع ) ثورة في بلد بسبب الهيمنة و الاستغلال البرجوازي و الاقطاعي و كبار السحرة و المشعوذين على طبقة من المزارعين غير الواعين الذين يستسلمون لرغبات تلك الطبقات الاجتماعية ، }
أهداف الزعيم : حدد الزعيم أهداف ثورته الكبرى فيما يلي
١- تصفية الهيمنة و الاستغلال الاستعماري الفرنسي ( خطاب إلى الجالية القمرية في مدغشقر)
٢- القيام بحملة تطهير و إزالة كافة الحواجز الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية التقليدية التي تكرس التخلف و الرجعية –( خطابه في شرح السياسية الاشتراكية – المساوة – العدالة الاجتماعية)
٣- بناء دولة قوية مستقلة تنافس الدول المجاورة
بداية المعجزة :
قام الزعيم بإنشاء لجنة تخطيط زراعي على مستوى الدولة و برئاسته قامت تلك اللجنة بإعداد دراسة متكاملة حول الإصلاح الزراعي ،
من مخرجات دراسة لجنة التخطيط الوطني هي :
١ _بناء مؤسسة الاستهلاك التابعة للدولة ( المديريات )
٢-تقديم الدعم المالي للمزارعين قبل الحصاد
٣-و ارتكزت مسؤولية الدولة ببيع المحاصيل الزراعية في الداخل و الخارج
٤-دعم وتشجيع الصناعات المحلية و المتوسطة ،
٥-طبع العلاقات مع الصين بهدف الاستفادة من خبرة الصين في مجال الزراعة على أمل أن يحقق ما حققه الصين بتكلفة أرخص و بوقت أقل ، حققت الدولة الاكتفاء الذاتي الغذائي ، ارتفع انتاج الصادرات الزراعية إلى الخارج ، كانت الزراعة كافية لبناء ثروة وطنية ،دولة تزرع قوتها بسواعد أبنائها،
ما تحقق فعليا خلال فترة وجيزة ( سنتين ) فاق أحلام الدولة الفرنسية التي كانت تقف ضد النهضة القمرية وعملت على جعل جزر القمر دولة فاشلة ، لكنه تجاوز نمو الدولة أكثر مما توقع المستعمر الغاشم ،
وراء كل قائد عظيم شعب أعظم ، الشعوب المتقدمة لا يختلفون عنا كثيرا و لم تمتلك عصا سحريا ، فهم يشبهوننا في ماضيهم و استعمارهم و اتكالهم على المعونات الخارجية و الحماية ، لكنهم يختلفون عنا اليوم كثيرا ، لقد تعلموا كيف يصنعون حضارتهم بأيديهم ،
كان الزعيم علي صالح متساشيوا مستبدا لكنه ليس كمستبدي بلدنا اليوم ، مستبد عرف أن الاستبداد و الاستحواذ على السلطة شيء، و أن نجاح دولته شيء آخر
رحيل الأسطورة : اغتيال الزعيم أدخل الدولة بما يمكن أن أسميه مرحلة القلق و الخوف- قتلوا الحلم المشرق أوقفوا عجلة النهضة من جديد و أغلقوا طريق الأمل لكيلا يضيء النور من جديد في جزر القمر و لا ينير كل الظلمات و لا تتجدد الابتسامات ، كان الزعيم مدرسة في الأمل ، جامعة في التفاؤل ، فكان الأمل ثقافة يأخذها المجتمع منه و قائد قلّ نظيره ، لكننا لا نقنط من رحمة الله ، فالذي وهبنا الزعيم علي صالح في الشدائد و رحم الألم و الحرمان و الاستعباد سوف يرسل لنا رسولا من عنده ليخرج مجتمعنا من ظلمات الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية إلى نور التطور و التحديث ، ذكرى الزعيم يرن في كل مواطن قمري يطمح للعدالة الاجتماعية و السياسية ، سلام يوما ولدت أيها الزعيم و ألف سلام يوم متَّ،
المجد و الخلود للشهيد الزعيم المنقذ علي صالح متساشيوا