إشكالية انتقال السلطة في جزر القمر مرحلة بعد الاستقلال

بقلم / سلطان يوسف رسول
باحث في مرحلة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر
يقول الرئيس الراحل نيلسون مانديلا عن دوافع مقاومته لنظام أبارتايد ” لا أتذكر الأحداث عن طريق التجليات، أو إلهام، لكنه إحساس متراكم عبر آلاف الشواهد، آلاف الإهانات، آلاف المناسبات لا أكاد أذكرها”.
فهناك عشرات الشواهد الملموسة الدالة على تأزم السلطة وإشكالية انتقالها في جزر القمر، بعد الاستقلال، وليس أدل على عجز القمريين، أو فشلهم في تبني نهج سياسي مستقر، يتضمن آلية مقبولة لتولية السلطة أو انتقا لها من حاكم لآخر، فكل حاكم يفرض نهجه، سواء السلطوية أو العبث بالدستور لمصلحته الشخصية من أجل استمراره في السلطة.
فقد شهدت جزر القمر منذ انقلاب 3 أغسطس 1975م، الذي قاده علي صالح ضد الرئيس أحمد عبدالله عبد الرحمن، وحتى 1999م انقلابات متتالية بلغت نحو 20 انقلابا، بعضها فشل والبعض الآخر نجح للوصول إلى الحكم. واتسمت هذه الانقلابات العسكرية باستخدم الوسائل العنيفة، وعلى رأسها انقلاب 26 نوفمبر 1989م ضد الرئيس أحمد عبدالله على يد الحرس الجمهوري، الذي قاده المرتزق الفرنسي بوب دينار.
وفي مرحلة ما بعد الاستقلال الداخلي 1962م منذ أن شكل الرئيس سيد محمد شيخ، أول حكومة قمرية تمتعت بنوع من الاستقلال الداخلي وحتى الوقت الحالي، جربت جزر القمر كل أشكال الحكم والنظم السياسية، فكانت بذلك مرتعا لكل أيديولوجيات الليبرالية والثورية والقومية والديمقراطية.
وهناك أربع محطات مهمة تستدعي الوقوف عليها حول التطور السياسي في جزر القمر:
1- المرحلة الليبرالية التي تميزت بتقليد المدنية الحديثة، ومثلها الرئيس سيد محمد الشيخ بصفته رجلا درس الطب، فقد دعا إلى الانفتاح الحضاري والاستفادة من دعاة التقدم الحديث، لكي لا تبقى جزر القمر بعيدة عن الركب الحضاري. وانسجاما مع هذه الدعوة أنشأ في المجال التعليمي معهد سيد محمد شيخ، ثم أسس في المجال الصحي مستشفى المعروف المركزي، وأقام في المجال الرياضي ملعب ميتسامهولي، كما دعا إلى تشييد المرافق السياحية وبذلك كانت سياسته مسكونة بالهموم الحضاري.
2-المرحلة الثورية: تتسم هذه المرحلة بتقليد النموذج الثوري، حيث أسس الرئيس علي صالح لجانا شعبية ثورية، ودعا إلى التحرر من نفوذ الغرب الاستعمار وسلطة العرف الاجتماعي والاستغلال الطبقي.
3-المرحلة القومية (الوطنية) التي ركز خلالها الرئيس أحمد عبدالله عبد الرحمن على الاستقلال الداخلي ونمت الشعور الوطني، وتميزت بنوع من الاستقلال الذي فرضته سلطة الرئيس أحمد عبدالله الذي سمي بأبي الاستقلال، وبهذا المفهوم الأبوي كان يسيس المجتمع القمري.
4-المرحلة الديمقراطية التي مثلها الرئيس سيد محمد جوهر الذي سمي اشتهر بأبي الديمقراطية، حيث بلغت حرية التعبير في عهده مرحلة وصفت بالعصر الذهبي تبرز في الصور التالية:
1- سمح بالتعدد الحزبي، حيث بلغت عدد الأحزاب السياسية في عهده 24 حزبا.
2- اتسعت حرية الصحافة وظهرت صحف متعددة جاهارة أرائها.
3- أقيمت مائدة مستديرة جمعت كافة ممثلي الشعب القمري لمناقشة وضعية البلاد.
4- وضع دستورا جديدا مستمدا باختيار شعبي.
5- كون حكومة وطنية جمعت رؤساء مختلف الأحزاب.
ومع ذلك تحولت السلطة في جزر القمر إلى مصدر عنف وعدم الاستقرار، لدواعي بنتها الاستقراطية النخبوية التي تدعى أحقية احتكار الحكم لأسباب لا تعدو أن تكون مصادفات تاريخية، لكون الرئيس أبا الاستقلال، أو الأب الشرعي للشعب. فحين يحتكر الرئيس أحمد عبدالله السلطة مدعيا كونه أبا الاستقلال، أو حينما ينقلب علي صالح على الرئيس أحمد عبدالله، وحينما يعبث الآخرون بالدستور ويمددون مدد الرئاسة حسب رغباتهم الشخصية، كالرئيس سامبي والرئيس الحالى عثمان غزالي، لابد أن يعكس سلبا على الحياة السياسية والاجتماعية، وتنتج دولة هشا لاستقرار الحياة السياسية، وحينئذ تسع حكومات بمختلف تياراتها وأيدلوجياتها، يكون ذلك أيضا مرفدا العنف السياسي مثل النظم الفردية والثورية.
المحصلة من هذا المنظور غدت الحاجة ملحة لطرح حوارات جادة وعلمية لمراجعة ومناظرة تداعيات هذه المنحة المحدقة بإعادة الدراسة لصياغة شكل الحكم وإشكالية السلطة نفسها في جزر القمر.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *