العبث والتلاعب بوحدة واستقرار جزر القمر

بقلم / هــاشـم سـيــد عــثــمــان

 ترعرعنا ونحن الجيل الأول بعد الاستقلال على التغني بماضينا المشترك ، وبمصيرنا المشترك القائم على أساس هذا الكيان الجغرافي الموحّد وعلى سعة الأساس الثقافي التي تجمع بين العناصر الاثنية التي تشكل غنى هذا الشعب الموزاييكي الفريد. كبرنا والشخصيات التي عملت بإخلاص لإعادة كرامة المواطن القمري تعد منارة الأجيال القادمة، اعترفنا بجميلهم وقدّرنا تضحياتهم ، وكان هناك إحساس بثقل الأمانة التي حملونا إياها. جيل أفريقي عاش روح ثورات الشعوب الأفريقية وصيحات الحق لقارة مظلومة مسلوبة الإرادة ، أدباء وشعراء خلدوا كفاح قارة ، كفاح شعب يتوق إلى الحرية.
تطورت الأحداث وتشعبت، وأخذت القطرية منحنى تراجيديا أضر بروح التضامن والتكافل اللذين كانا أساس النجاح المبهر الذي اتسمت به فترة ما قبل الاستقلال.
هنا وقعت الأقطار فريسة أخرى لأطماع مختلفة، لأساليب مجددة وأدوات أكثر ذكاءا وفتكا للجسم الأفريقي. ولا يمكن للمراقب إلا أن يرى هذا التحليل في الرؤى والغياب المخيف لرؤية جامعة تكون هي المناعة والحصن الذي يحمي مكتسبات العصر الذهبي للعمل الأفريقي المشترك.
وقع أبناء بلادنا في فخ الأطماع الشخصية ومنحوا القوى المتربصة فرص ذهبية للانقضاض على هذه الدول الوليدة التي كان الضياع الصفة الجامعة لمعظم السياسات التي تلت ستة عقود من الزمن.
أما عن جزر القمر، فمنذ البداية زرع المستعمر قنبلة موقوتة، وزرع بذور الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، وهي سياسة تبعتها فرنسا في معظم مستعمراتها السابقة مع منتسبي الدول الفرانكوفونية، إما بين دول الجوار أو بين أبناء الشعب الواحد مما أدت إلى وقوع حروب طائفية وقفت وراءها الآلة لإعلامية الفرنسية وأجهزتها الاستخباراتية وراح ضحية هذه السياسة خيرة زعماء أفريقيا من بينهم الأب الروحي للثورة القمرية، الرئيس الراحل علي صالح، وأبو الاستقلال القمري الرئيس الشهيد أحمد عبد الله عبد الرحمن.
ظلت قضية مايوت خلال 14 سنة مطوية،  وضيعت جزر القمر 14 سنة بعد الاستقلال وتحت قبضة الآلة الحديدية التي زرعتها أجهزة الاستخبارات الفرنسية ثلاث سنوات بعد الاستقلال لإضعاف تأسيس دولة حقيقية ذات سيادة ولكي لا ينمو عقل الشعب لشعور بالاستقلال الحقيقي والتطلع نحو غد أفضل لأبناء البلاد.
كل هذا كان يحدث تحت قيادة سلطان جزر القمر الأبيض، السلطان مصطفى مهاجو (بوب دينار) من مصاصي دماء أبناء القارة السمراء من بنين إلى تشاد، أغارت تلك المليشيا المدربة على الارتزاق على هذه الدولة الوليدة وحرمانها من سيادة حقيقية، واستولت على مقدرات البلاد، مستغلة خيرة شبابها في حروب ومشاريع نيو كولونياليا في أفريقيا. كما قتلت العديد منهم ممن كان لهم رؤية أو تطلع نحو التحرر من قبضتهم.
توج السلطان باب النار (بوب دينار) أعماله الدموية بقتل الرئيس أحمد عبد الله عبد الرحمن بعد أن حاول الأخير الانفلات من هذه القبضة الحديدية ورفض توقيع تجديد المعاهدة التي كانت ستسمح ببقاء باب النار هو وزبانيته في البلاد فترة أطول مما كان مقررا.
شعر الرئيس أحمد عبد الله أنه كان دمية و أن الحاكم المنفذ والآمر الناهي هو السلطان الأبيض وخاصة بعد أن قتل الأخير خيرة أبناء الجيش القمري وبدأ ظهور تملل وروح التمرد بين أبناء الشعب القمري.
وعندما انتهت هذه الفترة العصيبة من تاريخ هذه الدولة الوليدة، ومسرحية إخراج المرتزقة من البلاد تحت إمرة القبعات الحمراء الفرنسية ولدت حركة وطموح جديد من روح هذا المخاض العسير.
ولدت حركة ديمقراطية سطحية غير منضبطة وغير قائمة على أساس متين غير بعيد عن المؤسسات الفرنسية التي ما تزال تتحكم بمفاصل الدولة وعلى رئتها الاقتصادية. ولأول مرة تجرى انتخابات رئاسية في البلاد تجريها حزب الوحدة بزعامة الرئيس سيد محمد جوهر يليها آلة دعائية تصدرت المشهد وتزين المرحلة وكأنها فترة نهضوية قائمة حقيقية. في العام 1991 ظهرت ثانية حركة انفصالية بعد الحركة الشعبوية لجزيرة مايوت، والتي دعت مواطني جزيرة مايوت للتصويت ضد مقترح الاستقلال عام 1974.
كان وأد هذه الحركة سريعا لأنها لم تكن ترتكز على أسس حيوية ثم تلتها الحركة الانفصالية عام 1997 في جزيرة أنجوان بدأت كحركة مطلبية إلا أنها ما لبثت وأن تحولت إلى حركة عنصرية وانفصالية تم تغذيتها بصورة أو بأخرى بالمال والعتاد من قبل قوى معادية لهذه الدولة الفتية.
ولدت من هاتين الأزمتين والطرق التي تم معالجتهما شعور أقوى بالعجز وهيمنة الجزيرة الكبرى على شقيقتيها استغلت عناصر ضعيفة نرجسية صعود هذه المشاعر وصبوا الزيت على النار لزيادة الكراهية بين مكونات الشعب الواحد.
منذ ذلك اليوم وحتى هذه اللحظات لا يزال هذا الشعور في تصاعد ولم تجد الطبقة السياسية الوصفة الجامعة المانعة التي تجمع شمل أبناء الوطن الواحد في مشروع وحدوي يهدف أول ما يهدف إلى توحيد الصفوف من أجل وطن حر حقيقي يجد فيه المواطن بمختلف المكونات نفسه فيه.