أبناء المغتربين .. طاقات مهدورة

بقلم / هــاشـم سـيــد عــثــمــان
بلادنا ملتقى أعراق وثقافات مختلفت كانت حصيلة هجرات متعددة ومتنوعة شكلت غنى تاريخنا وأصالة التقاليد التي ورثناها . ثقافات وأعراق مختلفة هاجرت من داخل القارة السمراء وجنوبي الجزيرة العربية وبلاد فارس إلى هذه البقعة. فالهجرة مفهوم متأصل في تكوين الإنسان القمري وفي التفكير الجماعي القمري تكتسب أهميتها فيما أضافت إلى الهوية القمرية. فالقمري المسافر والمهاجر كان سببا في وصول نور الإسلام والانتماء إلى ركب الحضارة الإسلامية.
شربت بلادنا مرارة الاستعمار وما تلتها من هجرات قسرية فرضها الواقع الجديد. فالعالم الغربي بعد صحوته وبعد الثورات المتكررة في أوروبا، وأمريكا الشمالية بدت المستعمرات المصدّر الأول للعمالة المطلوبة لمصاحبة الثورة الصناعية مما أدى إلى ولادة الاتجار بالبشر وكنظرائها من الشعوب الإفريقية لم يسلم الشعب القمري من تجارة العبيد ظاهرة من أبشع صور الاستعمار الأوروبي. ومن نتائج الاستعمار استغلال أبناء الشعب القمري في الحروب القارية التي أخذت صبغة عالمية فدخل عدد كبير من أبناء الشعب القمري في الجيش الفرنسي للدفاع عنها أمام أعدائها التقليديين وخاصة أثناء الحربين العالميين. وبعد الحرب بقي الكثير من هؤلاء الجنود مع عائلاتهم في الأراضي الفرنسية حتى بعد بزوغ فجر حركات استقلال الدول الأفريقية في أربعينيات القرن الماضي ليشكلوا نواة المغتربين القمريين الفرنسيين مع عدد من عائلات البرجوازية التي انتقلت لتعيش في مدن فرنسية مختلفة أثناء فترة الاستعمار.
لم تكن فرنسا قبلة المغترب القمري فقط، فبسبب العلاقات الاجتماعية بين جزر القمر وجزيرة زنجبار ومدن أخرى في تانزانيا وكينيا كمدينة مومباسا ، هاجر الكثير من أبناء البلاد إليها ومنها انطلقت حركة علمية كان مصدر اعتزار للشعب القمري. فالقمري في تنزانيا كان عالما ومربيا حمل مشعل النور المحمدي إلى سائر مدن الشرق الإفريقي. ومن تنزانيا الشقيقة انطلقت حركة مساندة لحركة التحرير القمرية كانت الناطقة باسمها وسفيرها لدى الحركات الثورية الإفريقية وفي جميع المحافل على مستوى أفريقيا والعالم. هنا في الشرق الأفريقي بدأ ظهور أسماء لامعة تصدرت المشهد السياسي كالمرحوم أبو بكر بوانا، علي مباليا وسالم حميد. وكانت الجالية القمرية في تنزانيا فاعلة في كل الأصعدة والذاكرة التاريخية زاخرة باسماء تركت بصمتها كالشيخ برهان مكيلي، الدكتور سيد عمر عبد الله مويني بركة، سماحة المفتي الأول للجمهورية الحبيب عمر بن سميط وغيرها من الأسماء.
وفي الجهة الأخرى المقابلة في جزيرة مدغشقر وبعد توحيد الحكم بينها وبين جزر القمر من قبل السلطات الفرنسية انتقل إليها العديد من الأسر القمرية حيث كانت أغلب السلطات والخدمات فيها من مدارس ومعاهد ومستشفيات. ومن مدارسها ومعاهدها تخرج الكثير من الزعماء الذين حكموا البلاد بعد الاستقلال كالرئيس على صالح وأخيه المرحوم الرئيس سيد محمد جوهر وآخر رئيس جمهورية القمر الاتحادية الأسلامية قبل انقلاب عام 1999. وحسب الإحصائيات الأخيرة يبلغ عدد سكان جزر القمر 758 ألف نسمة. وفي تصريح للرئيس الفرنسي مؤخرا يبلغ عدد القمريين في فرنسا لوحدها ما يقارب 400 الف نسمة وهي نسبة كبيرة مقارنة بعدد سكان البلاد. نتشابه في تجربة الهجرة مع جمهورية لبنان حيث يتواجد نصف سكان هذا البلد في بلاد المهجر وقد عرفوا منذ القرن التاسع عشر بالتزامهم ببلدهم الأم وهم عناصر فعالة في بلدانهم الجديدة وقد عرفوا تجارا وسياسيين ومهندسين على الطراز العالمي.
قد يتساءل المرأ اليوم عن مكانة المغترب القمري وعن مساهمته ، قد نتساءل عن هاجسه عن همومه وتطلعاته. هل ما يزال مرتبطا ببلده الأم يعيش أحداثه ومآسيه، يراقب مخاضه العسير لولادة مفهوم دولة حسب التحديات الجديدة الذي يفرضه عالم سريع التطور، تحديات التخبط السياسي وغياب رؤية شاملة تجمع المواطن القمري خلف مشروع نهضوي قائم على أسس علمية منهجية منذ الاستقلال إلى اليوم، وعن هذا التفكك في البنية الوجودية لهذه الدولة التي تعتبر دولة شابة نسبيا ما تزال تبحث عن طريقها وعن مكانة في عالم اليوم.
المغترب القمري ملتزم، ينسجم مع عالمه الجديد لكن الوصل لا ينقطع مع بلد الآباء والأجداد، المغترب مرتبط بثقافته وبهموم العائلة الكبيرة، بمناطقيته وانتماءاته المتعددة فالخيط ممدود جسرا غير منقطع مع مسقط الرأس . هذا الرصيد البشري في تنوعه وفي غناه الفكري وفي إضافاته يعتبر محركا أساسيا وعاملا جوهريا في أي تخطيط نهضوي محتمل. السؤال الأهم من يخطط لاندماج هذه الأمكانيات في المشروع النهضوي القمري، من يعمل لجذب الكفاءات والقامات العلمية لهذه الشريحة المهمة ، من يوجه رؤوس الأموال الكبيرة التي يتم تحويلها سنويا في مشاريع مطلببة تساهم في التخفيف من أعباء والتحديات اليومية للمواطن القمري.
إ
ن التزام المغترب القمري بقضايا وهموم أمته من المفروض أن يكون طاقة تستغل بشكل إيجابي ، فالمراقب يتلمس الرغبة القوية في المساهمة والمساندة فبالرغم من زيادة الضغوطات الحياتية وتحديات التربية والتعليم ، يلملم المغترب نفسه، يجمع أقرانه أبناء حارته، أبناء قريته ، أبناء مدينته للتفكير والتخطيط عن الكيفية التي سيساهمون في بناء مدرسة القرية، بناء المسجد الجامع، صالات المناسبات ، تغذية القرى والمدن بالخدمات الأساسية كالشوارع والكهرباء والمياه وخط الهاتف التي هي أصلا مسؤولية الحكومة المركزية. هذا على المستوى الجماعي والمساهمة على مستوى الأسرة أكثر عمقا فالمغترب أب للعائلة، يجب أن يبني له وللعائلة، يجب أن يدرس أبناءه وأبناء العائلة، يجب أن يعالج أسرته النووية والعائلة الموسعه، وعند زواج الأخ والأخت وأبناء العمومة يجب أن يساهم. هكذا هي بنية المجتمع القمري والمغترب يرفض التمدن، ويرفض مفاهيم التحضر والفردية فلا يمكن أن ينفلت من التزاماته الاجتماعية في التعاون والتعاضد ، يذوب وفي أحايين كثيرة يقصر في واجباته تجاه أبنائه، وقد يكون هذا الالتزام وارتفاع نبسة الإعالة سببا مباشرا يؤدي الى تفكك أسرته الصغيرة وإلى ضياع أبنائه بسبب عدم القدرة على الموازنة بين احتياجاته كرب للأسرة وبين احتياجات العائلة لكنه لا يكلّ ولا يمل. فأين مكانته اليوم؟ كيف نكرم تضحياته ؟ من يدرس همومه من يعمل من أجل رفع الأثقال المسلطة عليه؟ من يفكر في أبنائه ؟ ومن يخطط له لمستقبل أفضل عندما يقرر العودة يوما ما إلى بلده الأم.؟
بلدنا يحتاج إلى سواعد أبنائه المغتربين، يحتاج إلى الكفاءات المتنوعة والمتعددة، يحتاج إلى مواهبها، ففي كل زاوية من زوايا بلدنا هناك نقص في التخصصات، وهذه التخصصات موجودة عند أبنائنا، لكن الوطن يهمل أبناءه ، يحتاج إلى موارده المالية أكثر من كفاءاته، الوطن يغيبه في القرار السياسي، فهو فقط البقرة الحلوب، الشريك الأول للحكومة ليس له صوت، من يقوم مقام الحكومة عندما تعجز عن أداء واجباتها لايمكن أن يشارك في بناء القرار السياسي الذي هو شريك بنائه وتطوره.
ربما حان الوقت لتسليط الضوء على هذه الظاهرة وعلى إهمال المغترب رغم كونه الشريك الأول في بناء الوطن دون منازع. إن الاستعداد المتأصل والجاهزية المستمرة في تلبية الدعوة مع وجود الحاجة الملحة إلى عطاءات المغترب القمري ، يستلزمان وجود مؤسسات وطنية موجهة لدراسة دور المغترب القمري وتقديم التسهيلات اللازمة لدمج هذه الطاقة في محرك التطور المفترض. أصبحت الحاجة ملحة إلى دراسة رؤووس الأموال التي تضخ في الاقتصاد القمري من المغتربين وتنظيمها في مشاريع تنموية حقيقية بدلا من استهلاكها فقط في مواسم الزواج الكبير، وعن تنظيم واستغلال حركة البناء لإعطاء صورة جمالية لقرانا ومدننا من خلال ترشيد هذه الحركة. إضافة إلى ذلك أصبح هناك حاجة إلى آلية استقطاب الكفاءات من خلال ورش عمل، ومحاضرات مشتركة وساحات تبادل الأفكار مع هذه الشريحة المهمة من أبناء وطننا.
المهاجر القمري ابن للوطن لن يرف له جفن حتى يبني وطنا بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وطن يسع الجميع ويتوسع للجميع، وطن الإنسان الحجر الأساس في مسيرة التطور، ليكون الإنسان هو الوطن، يتنفس وحده، ويستنشق غنى الاختلاف في رحلة السموّ نحو التكامل مع الآخر. هذا الطموح وهذه الآمال، بناء هوية جامعة مانعة تنفض غبار الماضي الأليم وتتطلع لبناء مستقبل زاهر تفتخر به الأجيال القادمة.