رحلتي إلى الصين !

بقلم الشاعر والأديب / شمس الدين الديبواني
لا أعرف لماذا الخوف دائما يعرقل القدمين  على الرغم  أن تجربتي الأولى  مع  الطائرات انطلقت  منذ الـ12 من العمر  إلى الآن ..وصحيح  أن السفر إلى جمهورية الصين الشعبية له مذاق مرهف يكاد يصل إلى درجة الحب والصبابة  التي تتجاوز الهيام  بقدر ما طغت  وخالف كل التوقعات التي طاولت  الأذهان .
أقلعت الطائرة الأثيوبية من مطار سيد إبراهيم الدولي بهاهايا  متجهة إلى إثيوبيا وفي نسختها  الجديدة  بواعث  الراحة والاطمئنان كعادة الشركة  في حسن الأداء  الذي يكاد ينسيك مرارة  الاندماج في الهواء ..   ما أن تتطلّع إلى أي شيئ إلا وتجده حتى وكأن كل شيئ خطط له كما يريد المسافر !
على أنني لا أفهم لماذا يصرّون على  اللغة الإثيوبية في الاسترشاد على الرغم من أن معظم ركاب الطائرة  لا يجيدون  سوى  الفرنسية والإنجليزية  وشيئا من العربية ..هل هي نوع من الدعاية الإعلامية ..!
المهم هي أحب الخطوط الجوية إلى قلبي من حيث حسن الخدمات و الضمان من أن حقائبك لن يتم سرقها  أو تضاع  كما تجري العادة عند بعض الشركات ..
صحيح أنّ ثمة تغيرات  ملفتة طرأت  على الشركة خاصة  بعد  أن كانوا  في القديم  يستضيفون الركاب  على حسابهم في فنادق لو تأخر برنامج  الخطوط الجوية إلى أكثر من أربع ساعات  لكن ربما ذلك  مجرد نظام عالمي  يتم استخدامه حاليا في جميع الخطوط الدولية.
عموما أقلعت الطائرة  من مطار أديس أبا أبا  متجهة إلى مطار بيجين الدولي  للمشاركة في أعمال ورشة  العمل حول إدارة مشاريع المساعدات الصينية في الدول العربية والتي نظمها معهد التدريب لمسئولي  التجارة  الدولية( AIBO)   التابع لوزارة  التجارة  لجمهورية الصين الشعبية في الفترة مابين  الـ18 /07/ إلى الـ7/08/ 2019م .
 عشر ساعات كاملة أو تزيد  قضيناها في أجواء غيماء محفورة بالمطبات الهوائية  التي تؤخذ الأنفاس !
ملّنا من هذا الطريق البعيد وكرهنا أنفسنا حتى وكأن التجربة لن تعود أبدا !
وأخيرا وصلنا بعد شعور بائس ومرير ..ثم انتظرنا قليلا حتى جاءنا زكي  أو كاظم وحسناء ، الثلاثة الذين حصروا جهودهم بجانبنا طوال الوقت ..تأخر كاظم إذن عن الوصول أكثر من  نصف، ربع، ثلث ساعة أو يزيد ..وازداد هذا التأخّر  شيئا بعد وصوله عند البحث  عن  الأخوة الجيبوتيّين الذين  ركبنا معا نفس الطائرة .
كان هذا الشاب العشريني  صيني القامة تماما ..! أبيض بعينين تشبه حبة اللوز البيضاوية الشكل، لكن أقل اتساعا منها،  بنظارته الطبية ووجه الذي تبدو عليه حبوب الشباب..وصوته  الرنين الذي يوحي بنوع من المعاكسة اللطيفة .. فإذا أضفنا إلى ابتسامته الماكرة   في سرق   القلب حتى وكأنها تخرج منه كان كاظم نموذج مثالي رائع للإنسان اليوم في جمهورية الصين الشعبية !
انطلقنا جميعا وكعادته يحاول كاظم   أن يتأكد أن كل شيء  يجري  على ما يرام ..  حتى وكأن رقيب  وعتيد سيحاسبانه في نهاية المطاف .. وصلنا إلى معهد “أيبو” في بيجين وكل شيء بدأ وبدا  عليه طباع الجدة والصرامة ..كل شيء حتى العاملين في المطاعم والفنادق  كأنهم يؤدون  صلاة الإسلام !
ماذا أقول إذن أمام هذا النظام المستقيم،  نظام لا يأبه بشيء سوى شأن العمل المفلح،  وإذا كان المعلم عندنا كالرسول  فإن الطالب عندهم كالإله ..!
 في فصول المحاضرات يسبق المحاضر المحاضَرين قبل ربع ساعة  من الانطلاق ..قالوا إن الهدف من ذلك هو إشعار الطالب بان الأستاذ نموذج حقيقي للالتزام ،  هذا إلى جانب رغبتهم في  إعلاء  شان الطالب الذي هو بالأساس  أستاذ الغد ومستقبل الأجيال.
  وعلى  الرغم من أن معظم  المحاضرين يتقنون اللغات الأجنبية   إلا أنهم يصرّون   دائما على اللغة الصينية  غيرة لثقافتهم وبالتالي يكون للمترجمين الدور المهم والأبرز في إيصال المعلومات بإخلاص  إلى المخاطبين الأجانب .
وهكذا تستمر هذه الثقافة  تلقائية  آيات بيّنات للإرادة القوية  التي تسري في نحور الصينيين.. إنّ احترام قيمة الوقت والانتظام في العمل والجد والإخلاص هو خلاصة الحياة في الصين، إنهم يعملون وكأن الغد لن يأتي أبدا !
ثمّ كانت روعة الأماكن السياحية البديعة والتجارية التي زرناها كسور الصين العظيم و المباني التجارية الفخمة في شنغهاي .. وقلعة الإمبراطورية في بكين…الخ
وهكذا تتحول هذه الرحلة الشاقة في النهاية  إلى جنة  وحلم بالعودة إلى الصين مرة أخرى  كما هو جانب  آخر من ثقافة الصين .. إننا نشتاق هذا الجو الإنساني المثالي وهذا النظام الذي يسري عليه الشعب ..وتلك الابتسامة الماكرة التي لا تفارق كاظم أو زكي وحسناء .