التسول السياسي

بقلم / محمود محمد مهوما – محلل سياسي
لا يمكن لأية دولة مهما كانت قوية أو ضعيفة، كبيرة أو صغيرة، أن تعيش بمعزل عن محيطها، فهي بحاجة لإقامة علاقات مع الدول الأخرى لتحقيق أهدافها وحماية مصالحها، وتأخذ هذه العلاقات أشكالا متعددة منها السياسية والاقتصادية والثقافية ..الخ
فالسياسة الخارجية تتكون من قرارات و إجراءات تقوم بها الدولة لتحقيق أهداف معينة تخدم المصلحة الوطنية، ويقوم بهذه المهمة عادة أفراد أو مؤسسات حسب النظام السياسي للدولة، وبحسب قرائتي و متابعتي للسياسة الخارجية القمرية تجاه الدول الأخرى، فإنها تتخذ من مبدأ التسول السياسي لتصيغ سياستها الخارجية، ولتحقيق أهداف شخصية ضيقة مغلفة ومعلبة بكلمات ذات طابع وطني. وبطيعة الحال فهي سياسة غير عقلانية، لا تعتمد على التخطيط وتحديد الأهداف الوطنية بدقة، ولا تقدم مصالحها القومية في أولويتها الرئيسية لسياستها الخارجية.
إن صانع القرار السياسي في الدولة لا يحتاج إلى إيقاع يده في كل شأن، فهو يعتبر ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يمكن تحملها، وإن شغله الشاغل هو البحث الحثيث لدولة توفر له الظروف المناسبة للتسول بأية صيغة ترضي جميع الأطراف.وقد تكون بصيغة المؤتمرات أو تبادل الزيارات الرسمية، والشعار الرئيسي “أنا المسؤول الذي لا يتقن أي شيء سوى طرق أبواب الأمراء و الملوك و الرؤساء” يسأل عن متبرع ينفق مما رزقه الله بيده اليمني ولا تعلم يده اليسرى، أو البحث عن مرتكبي المعاصي الذين يرجون من الله أن يغفر ذنوبهم بالصدقة.
كل هذه الصيغ و العناوين تحمل في طياتها إذلالا دبلوماسيا من الأطراف الأخرى. إن فلسفة النصب التي تتخذ من السرقة كطريقة للربح السريع دون الحاجة الى إعمال العقل حاضرة دائما في دماغ صانع القرار السياسي القمري. وإن ما يقوم به صانع القرار السياسي لا يختلف عن من يغتصب امرأة دون أن يدغدغ عواطفها حتى تسلم نفسها له طواعية، فهو يرى في الاغتصاب أسرع طريقة لإشباع غريزته دون تكاليف وتحمل مسؤولية.
كذلك يسعون إلى عقد المؤتمرات هنا وهناك ( مؤتمر الدوحة ٢٠١٠ – و مؤتمر باريس القادم)، إنها الطرق السريعة لكسب المال. وإن الشعور بالإذلال والإهانة لم تعد تملكان القوة الكافية لإيقاظ ضمير المسؤول المتسول، لأن ضميره مستتر دائما، و لأن جذور القابلية للإذلال
قد ضربت في العمق.
)وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً(
في المحصلة :
ودفع الله الناس بعضهم ببعض يشير بأن مجموعة بشرية أو حزبا سياسيا معينة أو حكومة تتخذ من الفساد الإداري سياسة لإدارة البلاد والعباد، وفي المقابل، تبرز مجموعة سياسية أخرى تقاوم الفساد وترفع شعار الإصلاح والتنمية والعدالة الاجتماعية.
وأعتبر أن ما تمر به دولتنا من صراعات مختلفة وسوء الأحوال في جميع مفاصل الحياة، والحكومة تتصرف باللاعقلانية التي تقود الدولة بسياسة لا تخدم المصلحة الوطنية، هي ظاهرة صحية تُنبئ بولادة دولة جديدة ، فالصراع والتدافع والحروب
والأزمات تولد التغيير.