من يحكم جزر القمر ؟

بقلم / محمود محمد مهوما – محلل سياسي
 أحاول في هذه الأسطر أن أطرح وجهة نظر حول القوة التي تتحكم الدولة القمرية ، من المؤكد أن لكل دولة لها تركيبة داخلية معقدة و تتحكم في قراراتها و اختياراتها القيادات السياسية و هذه القيادات السياسية تقع دائما تحت تأثير قوى أخرى لها نفوذ داخل الدولة ، هذه القوى قد تكون دولة أو منظمة أو جماعة أو مكون سياسي ،
لكنني لن أتحدث عن هذه المكونات و القوى بل سوف أتحدث عن ( التقليد ) و الموروث الاجتماعي و الشعبي كعنصر مهم و أداة للسيطرة و التحكم، بما تمتلك من قدرة على تشكيل سلوك الفرد و ثقافته حول إدارة السلطة السياسية و نمط العلاقة القائمة بين الوظيفة العامة و الموظف ،
بحسب التقاليد و الموروث الشعبي الاجتماعي، الوظيفة العامة هي مكان للسرقة و النهب و ليس للخدمة العامة فالموظف العام لديه القابلية الكافية للرشوة و السرقة بحكم المفاهيم و المعتقدات التي في ذهنه والتي ترسخت من خلال التقاليد و الأعراف بجواز سرقة المال العام ، و كذلك علاقته بالدولة كون الدولة باعتبارها فاشلة لا تستطيع تأمين حاجات و متطلبات المجتمع من اقتصاد و تعليم و تأمين الفرد من الخوف على كافة مستوياته ، وغياب مفهوم الدولة الأم التي تقوم بالرعاية وتحتضن الجميع ،
هذا مما جعل الفرد يتطلع إلى البحث عن أفق آخر و دولة أخرى يمكن أن يحقق آماله و تطلعاته بعيدا عن الوطن ،و هجرة القمريين من الوطن إلى أرض الله الواسعة دليل فاقع وواضح كإحدى البدائل و الخيارات المطروحة ،
هذا مما ولّد صراعا بين الدولة و المواطن ،و أنتج هذا الصراع خللا في مفهوم الفرد حول الوظيفة الحقيقية للدولة القمرية ، و تحولت الدولة إلى أداة لتحقيق مصالح أفراد و ليست مصالح عامة وطنية ،
التقاليد بغض النظر عن طبيعتها السلبية أو الإيجابية يمكن النظر إليها على أنها احدى مكونات الهوية الثقافية لشعب معين ،و بأن هذه التقاليد تمثل مجموعة من الأعراف المتفق عليها اجتماعية و تمثل عقدا اجتماعيا بين أفراد المجتمع ، دون أن تكون مكتوبة أو مدونة ، الأهم أنها تحظى بمشروعية ، بحكم توارثها وعمق جذورها و اتساع نطاقها و ممارستها ، اجتماعيا و تنظيميا و أخلاقيا ،
و قد تتعدد المواقف و الآراء حولها، من بينها ما يعزز التضامن الاجتماعي و التنظيم الاجتماعي ، حيث تحظى التقاليد في مجتمعنا القمري بقوة تفوق سلطة القانون ، في الجانب الآخر من التقاليد في مجتمعنا ما يهدد منظومة القيم الإنسانية و العقلانية ، سلطة التقاليد تساهم في تشكيل الوعي السياسي لدى الأفراد ، و يلعب الوعي السياسي المنبثق من التقاليد و الأعراف انعكاسا في عقلية إدارة السلطة السياسية ، و تقيِّم السلوك السياسي من زاوية – يجوز أو لا يجوز- فالسارق للمال العام في التقاليد و الموروث الاجتماعي محترم و يرقى إلى مرتبة الشاطر المحترف ،
لذلك نجد أن التقاليد الاجتماعي تمتلك من المبررات الكافية و الجاهزة للسرقة و النهب للأملاك العامة دون تأنيب الضمير ، كون الوظيفة العامة تمثل مكانا مناسبا للفساد ، لذلك يجوز سرقة المال العام بحسب مدارك والمنظومة التقليدية ، من الطبيعة البشرية أنها شديدة التأثر بما يوحي التقاليد الاجتماعية إليها من قيم و اعتبارات ، ومجتمعنا يقدر نصائح الواعظين باحترام القيم النبيلة و نبذ السلوكيات التي لا تنسجم مع القيم الإنسانية ، و لكنه يتبع طريقا معاكسا تماما في تشجيع للسرقة و اللصوصية السياسية و الإدارية لمقدرات الدولة التي تحت الأرض وما فوقها من خلال الاعراف والتقاليد ،
و بهذا نجد أن مجتمعنا تقمص شخصيتين مختلفتين أحدهما تصغي لما ينصح به الواعظون و الآخر تندفع وراء ما يملي إليه التقاليد و الاعراف ، لذلك أَجِد ان من يحكم جزر القمر ، التقاليد الموروثة و التي لها الإمكانية و القدرة و التأثير في صياغة و برمجة عقل صانع القرار السياسي القمري ، فصانع القرار يعتمد بشكل رئيسي على تشجيع المجتمع نحو سلوك معينة و المقاربات من المدارك والمنظومات الفكرية التي تقدمها التقاليد حول قضية معينة، و بالتالي يمكن تقديم تفسيرا للانحرافات السياسية في القيم و المبادئ الأساسية التي يجب أن تعتمد عليها الحكومات في صياغة قرارات تعكس مصالح الوطن ، بالانحراف في التقاليد و الاعراف و الموروث الاجتماعي ،
فالمحرض الرئيسي و الدافع لانحراف المسؤول نحو الظلم و الفساد هي التقاليد المسيطرة و التي تتحكم مداركه عندما يفكر المجتمع في الإصلاح!، فعليه أن يقوم بتصحيح المفاهيم الخاطئة التي تشكل سلوك الأفراد و تقدم تفسيرات غير دقيقة حول قضية ( السرقة و الظلم العام و النهب للأملاك العامة و علاقة الدولة بالمواطن و نمط العلاقة بين الموظف و الوظيفة ) ، عندها ينتج المجتمع مواطنا صالحا يقوم بعمل يخدم به نفسه و يخدم الغير في آن واحد ، كما يفعل المخترع الذي يسهر الليالي في سبيل الوصول إلى اختراع جديد ،إنما يسعى في سبيل شيء ينفعه و ينفع الناس ،