كُن هنا …

بقلم الكاتبة الصحفية والشاعرة / نهى إبراهيم سالم
عزيز القاريء :
أنت الآن في مدار همس مكاتيبي ..
أي أنك داخل عالمي ، تشاركني بشكل أو بآخر فكرك ومشاعرك .
إذاً لستَ وحيداً ولا بعيداً ، فلاتُخف فرحك ولا تذرف دمع ألمك للداخل هرباً منك ومنهم ومني كقارئة لك ايضاً.
أنت هنا وهذا يعني أن باستطاعتك سماع صوت شروق الشمس وهمهماتها عند المغيب .. وسرقة ضوء القمر عند اكتماله .. رؤية تموجات النسيم وخطوطه الناعمة الرفيعة .. تَحسُس ملمس الأيام والأحلام .. التحكم بعقارب الوقت حتى وإن كانت سامة.
النوم على وسائد البرق وهدهدة المطر والعواصف ..صنع قهوة من سواد الليل السرمدي تشهدها فناجين مزاجك كل مساء مع كعكة الرضى .. والركض في حقل من الأشواك دون أن تطال رؤوسها الحادة قدميك.
الرقص على قرع طبول التصافي في غابة أبنوس منسية .. الصهيل في صحارى التيه عناداً .. السباحة في بركة نور لتخفيف الوزر وليس الوزن .. نحت الود على أطراف الصفصاف في عز الريح. .. ونسج الحرير من السكوت لا من أشجار التوت .. .. ..
باستطاعتك السفر داخل ذاتك بذاتك لفك طلاسمها وحل عقدها دون تدخل الآخرين .. ومعرفة الفرق بين الموت والموت، بين العذاب والعتاب، الحب والإعجاب .. ورسم الأماني على كف السحاب ليمطر التحقيق .. غزل خيوط الكلام الرقيق.
الغناء دون تحريك شفتيك .. جعل ظلك لايشبهك وسماع وقع خطاه بقربك ضجة .. قضم نجمة لتكتشف مذاقها. قرمشة حكاية وقصيدة ولحن ولوحة في ذات اللحظة .. ترجمة لغة الأرض والورد ،النبض ، الطير ، البحر ،الروح والصمت .. واستنشاق رائحة الأمل بعمق ثم لفظه خارج صدرك على هيئة قوس قزح .. نثر رماد الوجع بعد حرقه نزفاً تلو نزف وحرفاً تلو حرف .. تضويع بخور صبرك في أنحاء الشوق عشقاً دون ملل .. وجعل الأزهار ترسل عبيرها كيفما تشاء أنت.
باستطاعتك جس نبض السطر والقهر والصدر والصبر ومد حرفي بالمزيد .. والرحيل الجميل في ذات الحيز الذي تشغله الآن داخلك وداخلي لحظة القراءة لمكاتيبي بل ولأي كتاب وأي حرف.
فاختر ركناً قصياً هادئاً وحلّق في الفراغ و ااقرأ ثم اقرأ ثم ااقرأ ليمتلئ العدم وتكتشف حياةً أخرى تشبع فيها دون أن تأكل ودون أن تصاب بالتُخمة .. وترتوي من نهر شديد العذوبة كنت أنت بعض نبعه دون أن تدري .. فهل تدري ؟
أنا هنا كي أكونك فكن أنا لنمنح الدنيا سلام وابتسامة.