القمر: كواليس برلمانية ثاني مرة .. بين الزبد وما ينفع الناس في عام 2020! (1)

بقلم الكاتب الصحفي / محمد سيد سعيد
باحث دكتوراه في الفلسفة الإسلامية – معهد العلوم الإنسانية باريس

 

بادئ ذي بدء، نحن في عام 2014م، وفيه يأخذ العد التنازلي نحو الانتقال من نظام حكم إلى آخر، أو الامتداد المستمر لما كان ولا زال قائما حتى الآن 2006/2016م، حيث فترتي حكم الرئيس السابق، أحمد عبد الله سامبي، مؤسس السامبية، والمنحدر من جزيرة أنجوان، ونائبه في الرئاسة لمدة خمس سنوات 2006/2011م، الدكتور إكليل ظنين، المنحدر من جزيرة موهيلي، قبل أن يصبح خليفته المطيع في منصب رئيس الجمهورية 2011/ 2016م، و أيضا قبل أن تتمكن البوليرواتية المشاكسة- نسبة إلى حمادة مادي بوليرو، الموالي المعارض- من فك شفرات البيعة والانقياد السياسي المطلق بينهما، سامبي وظنين، تشهد جزر القمر هذه الأيام موجات مكثفة من التيار الكهرو- سياسية و الحشدية الدعائية داخل الأوساط المجتمعية، فضلا عن الحزبية والفكرية.
والتي تستهدف في الأساس الإجهاز المضمون والقياسي لخوض الانتخابات التشريعية والمحلية بنجاح واكتساح، والمزمع إجراءها آخر العام الحالي وبداية العام القادم 2015م.
وهي العملية الانتخابية التي ستحدد دون أدنى شك ملامح رئيس الدولة القادم في عام 2016م، وفقا لما نص عليه الدستور ويأخذ به عرف الكواليس السياسية المحلية التي استحدثتها الغزالية عام 2001م عبر ما اصطلح عليه بدورية الحكم.
وبما أن التجربة تعد عجيبة نوعا ما إن لم تكن فريدة ربما في أفريقيا، أو بما أن الدورية الرئاسية في جزر القمر لعبت دورا إيجابيا- إلى حد ما- في القضاء نسبيا على جمهور وهواة “فرق تسد” من جماعة العزف على عود الانفصال واللحاق بمجرة المقاطعات الفرنسية ما وراء البحار، أملا في الحصول على الكعكة الأوروبية الجاهزة، فان الأمر- هذه المرة- يشير إلى أن القاعدة “تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم.. ” فـ “كل حزب بما لديهم فرحون” هي التي ستتحكم بقوة وضغط أكثر منها في مجرى نهر الوصول إلى بيت السلام، القصر الجمهوري.
ذلك أن الدولة الآن، رغم صغر مساحتها وقلة عدد سكانها، تزخر أكثر من أي وقت مضى بالتكتلات والأحزاب وجماعات المصالح والأنساب المالية والصفات الفكرية الوراثية، لدرجة أن رقمها- غير المستقر أصلا نتيجة الانشطار المستمر حتى الساعة- فاق توقعات الشامتين بل وفاق تصور الكائدين والماكرين والمتربصين من الداخل والخارج.
ومع هذا، فثمة حالة تميز الحاضر من الماضي، مثلما تميز الخبيث من الطيب، فبجانب كون الساحة السياسية الوطنية اليوم منقسمة على فريقين سياسيين أساسيين في الملعب العام، فريق موالي وآخر معارض، وبين هذا وذاك يقف المتعاطفون والمترددون والمذبذبون، ويتبعهم بالتأكيد الشاردون والمصفقون والمنتفعون، سواء ميلا لهذا الجانب أو لذاك، إلا أن الذي بات واضحا هو أن الجميع- بما فيهم الصم والبكم والعمى فكريا، وثقافيا، وسياسيا- يتفقون فيما يبدو على شيء واحد، هو ضرورة حسم الموقف مبكرا، إما مع الموالاة وإما مع المعارضة، قبل الدخول في حلبة المنافسة المميتة أو المحيية، والتي سيتم النفخ في صورها قبل الانتخابات التشريعية بقليل.
علما أن أيا من الفريقين يفضل الوقوف على خطوط تشعب وتماس طويلة ودقيقة، لزوم التفاني في عمليات حفر حفرات التصويت للوقوع بالمرشحين المنافسين من الطرف المقابل في فخاخ الصناديق ومن ثم المناصب.
ليظل الناخب- المراهق فكريا والمهتز ديمقراطيا بالأخص وغير الواعي لخطورة المشهد- وحده الفريسة السهلة التي سيتم القضاء عليها مستقبلا، والجاهزة للابتلاع نتيجة لما كسبت بطاقته الانتخابية، خاصة عندما تنتهي كافة الجولات السياسية والانتخابية، فيصل إلى سدة الحكم من يصل، من هذا الفريق أو ذاك، المهم العلاقة السياسية والاجتماعية ستظل ولحين عكسية، حسب عقيدة الولاء والانتماء والحسم السائدة.
ووقتها ستكون العودة إلى “من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها”، ولا عزاء لمن لم يشاطر أو يشارك في التصويت لصالح فلان وضد فلان، والضدية أولى، وهنا الانتقامية بدمها ولحمها وشحمها وروحها، وما أدراك ما الانتقامية السياسية في هذه البلاد.
أي أن مفهوم الآية في مثل هذه المواقف- التي قل ما تتكرر في المجتمعات الانتخابية والديمقراطية قبل العلمية- ينحصر وفقط في تعريف الصالح أو المسيء على أنه إما شخص منح صوته لمرشح فلان أو لم يمنح، ولا سبيل بينهما، وإنه لمن أغرب التفاسير.
يتوقع أن يحدث هذا كله، وبكثافة السحب بل وبصورة الغازات المضغوطة، وكأن لسان حال الفضاء الوطني يريد أن يقول ومن الآن: ماذا صنعت أرض القمر بأحزابكم وتكتلاتكم حتى تجعلوا نهارها يجن بدل الليل أيها الساسة والنخبة الطامحون في المناصب؟!
وذلك قياسا على الضغط الفكري الشعبي المتزايد الذي يمر به المواطنون في كل بقاع الأرخبيل، مداخله ومخارجه، والمستسلم له أنه قد تجاوز هذا الضغط الحدود الأرضية المعهودة بالفعل ليصل على دفعات إلى الفضاء الالكتروني.
وهناك السر لم يعد سرا، والأمر لم يعد أمرا، فكل تحول إلى مقذوفات نارية في متناول المتحاورين، لحد أنه تم تحويل الكثير من حملة أقلام الأحزاب وجماعات المصالح، خاصة الفرانكفونيين، ليبيتوا زينة ومصابيحا في سماءها، فيجعلها قياديو هذه الأحزاب والجماعات رجوما للمعارضين أو الناقدين، منذ إعلان موعد الانتخابات التشريعية والمحلية من قبل الحكومة المركزية في أكتوبر 2014م.
على أية حال، هذا وصف عام عن الواقع والمتوقع في الحدود الزمنية والمكانية للأرخبيل على مدار السنتين القادمتين من الآن، بشأن العملية الديمقراطية والانتخابات المختلفة المزمع إتمامها فيه دون تجاوز العام 2016م كأقصى مدة، احتراما لعقل المواطن ولنصوص الدستور.
لكن ذلك لا يمكن أن يوقف المهتم كثيرا، مثلما لا يمكن أن يوقف الناخب بذات المقدار، حيث هناك ما هو أهم من الوقوف عند محطة الشد والجذب هذه، لأنها- في الأول والآخر- محطة استقطاب سياسي واستقطاب مضاد على الأرجح، وكافة القواعد- وليتها شريفة- تمثل حيزا محللا في ظل معركة الصناديق كما يصطلح عليها البعض.

 

|| التتمة في النشر القادم، تابعوا موقعكم؛ أخبار من جزر القمر يشوقكم لجديد السياسة والثقافة والفكر في بلدكم الثاني، جزر القمر!