الرئيس محمد تقيّ آلام الزّمان

أبو هشام أبوبكر عبد الرّحمن عبد الله

حاصل الماجستير في كلية اللغة العربية قسم البلاغة والنقد جامعة النيلين

لم تكن الخيانة ولا الهزيمة خيال كلّ مصدِّق أو مكذِّب، أنّ دولة جزر القمر ستعيش أيام ظلم وهوان بعد ما أشرقت الأرض بنور الخيرات، وتلألأ بيننا كوكب الخبرات، وبرعت فينا عقلانيّة فذّات في شمال شرق جزيرة انجزيجا الكبرى وبالتّحديد في مدينة مبيني همهامي، ومن هذا النّجم السّاطع والمفكر اللّامع والمهندس المبجّل، بأخلاقه الرّفيعة، وطبيعته الأصيلة، ودينه الحنيف، وأعماله الباهرة الهندسيّة، يُرى ملامح السّعادة والفرح، والجلاء والعظمة، وكذلك النّهضة والتّقدّم… وذلك بعد إكمال دراسته في دولة مدغشقر الشّقيقة، ودولة فرنسا المرموقة.
فعزم الرّجوع إلى حيث تحدّثه الرؤية، ليرفع راية الحريةـ بكلّ جهد وتمعُّن ودقّة وبكلّ حذاقة وبراعة، وبثّ روح الوطنيّة والعمل لأجله، وزرع نشاط الأخوّة والحفاظ عليها، فأحبّه القمريّون وأعْلوا شأنه وحبّه، حتّى لقّبوه “بحبيب الزّمان” وألبسوه ثياب الحنان، وقدّموه فيما يجب الصّدارة بحنكته وصلابته ودقّة عمله، لما يرون منه تحقيقٌ لطموحات حياتهم… فبهذه المراحل، اكتسب الخبرات الذّاتيّة، والرّاحة النّفسيّة، ووسّع العلاقات الدّوليّة، وكوّن حركته الشّعبيّة ليناجز الآراء والأفكار اللّئيمة الّتي توبق لذّات المواطن القمريّ، وتسقط مروءته كما صوّره في ذهنه.
وفي السّنة 1996 وصل إلى زمام الحكم، بإرادة من الله تعالى ثمّ بجهد حركته السّياسيّة UNDC وحبّ القمريين له لهذا المنصب العظيم اللّائق، وذلك بعد عناية وصبر من مكائد الشّياطين المعارضة، ومحاولة منعه من الوصول إليه، وبعد إصدار القرار الرّسمي من البرلمان، بأنّه أصبح رئيساً رسميّاً لدولة جزر القمر، ناشد الجميع بحبّ الوطن والتّعاون لأجله، والعمل بما يوقظ نشاط النّهضة والتّنمية، ويميت المجاعة والشّحاذة، ليعيش شعب جزر القمر أيامهم الرّهنية المتبقيّة في عزة وحياة نبيلة مناسبة لهم، كما كان يكرّره وهو على المنابر الخطابيّة في فترة الانتخابات.
وأنّه سيحوّل دولة جزر القمر، ويحمل الشّعب القمريّ من أرض الشّدائد إلى أرض رحمان REHEMANI))) بلاد الرّاحة والسّعادة والاطمئنان، كما أكّدت الخبرات السّياسيّة لنا أنّه كان لهذا الرّجل عقل جبّار يدرك مدى النّهضة السياسيّة الحقيقيّة، وهذه ما كانت مجرّد خيال ينكره المرء بسهولة، وإنّما كانت حقيقة عرّفها الواقع بتجربته الملموسة، ولكن شوكة المعارضة والخونة في طفّ نور السّعادة قويّة، لا يماريها منازع، ولا يباريها مخالف إلاّ أراه ما ينافي اللّذة والسّعادة، وأنّهم عزموا بأن يحوّلوا أيام الفرح إلى أحزان دفيئة لا يطفئها دموع الزّمان ولا نياحة النّساء.
 وفجأة، وفي صبيحة يوم السّبت، سنة 1998م بعد إكماله سنتين وبضعة أشهر في الحكومة، وكم كانت فترة قصيرة؟ نادى منادياً بنداء مفزع وأنا صغير لا أدرك مغزى هذا النّداء، ولكنّني أدرك أنّ أمرا جليّا ومحزنا قد هزّ عرش الحكومة وأقضى على لذة الجميع، فسمعنا من يقول “إنّا لله وإنّا إليه راجعون” فخرجنا مسرعين من المسجد والجميع يولول لا تميّز بين صغير وكبير ولا ذكر وأنثى بشدة الفزع، والبكاء الشّديد، نساء يبكين وشيب شيبان يصرخون، لا تكاد تسمع في الطّرقات إلا همساً، إنّها مصيبة عظيمة قد سيطرت على أرجاء الدّولة ولاسيّما مدينة امبيني.
 إذاً، مَن نزع الطّموحات الّتي كانت مبنيّة في عقول الشّباب؟ مَن غرب الرّسومات الفنّيّة الّتي رسمت في متاريس النّهضة القمريّة؟ هل هو حلم كان يحلم به البشر؟ أو أساطير لا نهاية منها ولا خبر، إنّها السّوءة، من فقْد أعزّ ولذة النّظر، ومحدث الكبار والصّغار، ومَن أراد بناء مستقبلا مشرقا ومتحضّرا، إنّها لحظة الفراق، رجل خرج من بين قومه معزّزا ومكرّما، مصحوب بزغاريط الفرح، ثم يعود إلى بيته محمول على أكتافهم قتيلا، أهي المنيّة أو الدّنيئة؟ لمن الدّائرة، ومَن المسؤول؟ فإلى الله المشتكى، وإليه التّكلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.
فكلمّا يحول الحول وصرنا في يوم 6 نوفمبر من كلّ سنة لا نكاد نسمع خبراً إعلاميّاً ولا قضيّة إجراميّة في منابير الحوار والرأيّ إلّا والموت الفجائيّ وخيانة الأهالي، للرّئيس المحبوب يطرق باب الجدل في جوّ إعلامي وخطاب إقناعيّ في محاولة ترسيخ هذه القضيّة في أذهان من كانوا صغارا مثلي، ولم يكن يدرك حقيقة الخبر ومعاناة الأخرين وهمومهم وآلامهم الدّفيئة وأحزانهم العميقة، الّتي باتت لها إيّام تذكر ومواسم تتكرّر؛ وإنّما ليست محاولة إجراء محاكمة صادقة لهذه القضيّة الّتي لن تنس في قلوب النّاس، ولن تمح في أذهان من يهمّهم الأمر.