الدبلوماسية القمرية في حركة تحديات وتطلعات (الجزء الأول)

      شمس الدين سيد علي

الإدارة العامة للشؤون العربية

وزارة الشؤون الخارجية  والتعاون الدولي

جمهورية القمر المتحدة

تجتاز الدبلوماسية القمرية، خلال المرحلة الحالية، حواجز كبيرة، وعوائق عدة، وعوالم مضطربة، تحاك من كل الجهات، وقد وضعت نصب عينها – في الوقت ذاته – عمق التطلعات وآمال الشعب القمري المتعطش بعد مرور 43 عاما من الاستقلال والحرية والإنطلاق.
وتتبلور هذه الحركة الدبلوماسية القديمة المتجددة، وترتكز في مجالات كثيرة ومتنوعة، وفي  قضايا جوهرية ذات أبعاد وطنية عميقة، تستهدف إلى  استجواب واستحضار متطلبات  الدولة القمرية الحديثة في خضم التنافس العالمي مع صخب الأحداث، وتمثلها الشريف في المحافل الدولية المختلفة، وتثبيت حوائط الصد وصمام  الأمن والأمان، في رحلة البحث عن الذات القمرية المتغيبة ، لا سيما أن رواد هذه الحركة قد عاشوها من قبل وعايشتهم وتصدروا لمشاهدها في ميادين محلية وإقليمية ودولية متعددة.
و كانت دعوة رئيس الجمهورية،  عثمان غزالي،  أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نسختها الـ 72 مساء يوم الخميس 23 من سبتمبر 2017م ، والتي تجلت أهميتها  في الدعوة إلى ضرورة  ضبط النفس  واحترام المواثيق الدولية في جزيرة مايوت القمرية المحتلة، كمعيار دقيق  في مواكبة صخب الأحداث وتجادلها في الاستجابة لمتطلبات العصر وحاضره  ومستقبله في أبهى صورة كما ينبغي .
ومن هنا لم تتدخر الجهود، ولا المساعي الحثيثة، لوضع بصمات هذه الحركة على أرض الواقع،  بقدر ما بدت ملامحها الدولية، وخطوط عرضها  في خطاب تنصيب السيد/ محمد الأمين صيف اليمني  كوزير للشؤون الخارجية والتعاون الدولي، في منصب شغله لأكثر من مناسبة، حيث أكد  في كلمته ” أن جمهورية القمر المتحدة  في حاجة ماسة إلى تطوير علاقاتها الخارجية مع الشركاء كلهم، لا سيما فرنسا التي تعتبر الشريك الأول للبلاد، وأضاف : علينا ألا ننسى قضية مايوت القمرية وتأثيرها العميق على البلاد والعباد، إذ أن تنميتها الحقيقية تنطلق عبر جزرها الأربع بقدر ما تنضوي تحت رايتها ، و من المحتم علينا جميعا إدراك مدى حاجة البلدين إلى بعضها البعض للحفاظ على علاقات الصداقة والتعاون، وفي احترام القانون والاتفاقيات الدولية الموقعة بين البلدين، وأكد صيف:  أن وحدة وتضامن سكان الأرخبيل الأربع ضرورية لتطوير دولتنا الفتية، وعلينا تغطية وحماية وحدة وسلامة أراضينا الوطنية مع مساعدة من الجميع ، وأشار معاليه : إلى  أن التنمية المعول عليها جزر القمر الجديدة تبدأ في استعادة مايوت إلى السيادة القمرية،  راجيا من  أهالي  “مايوت”  النظر على  الوضع الراهن المخيف للبلاد، حيث أنها حتى الأن في ترتيب الـ 186 في الدول الأقل حظا وفقا للناتج المحلي الإجمالي لعام 2016 “
  وسرعان ما انطلقت معالم  هذه الحركة دوليا ، خلال توجيه الدعوات للبعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى موروني إلى وزارة الخارجية،  وتوضيح الصورة الكلية للسياسة الجديدة للخارجية القمرية، والتي تتمثّل في تحركات واتصالات دولية مكثفة، كحمل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي برسالة خطية من رئيس الجمهورية عثمان غزالي إلى رئيس جمهورية مصر العربية، عبد الفتاح السيسي بتاريخ 11 من نوفمبر 2017م، تناولت  الرسالة مجمل العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين ، وسبل تعزيزها و تطويرها في كافة المجالات، وحمل (صيف)  مرة أخرى يوم 5 من أكتوبر 2018م ، برسالة خطية من  رئيس الجمهورية إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ، تتعلق بالعلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات،ورسالة خطية  من رئيس الجمهورية  يوم 12 مارس 2018م ، إلى خادم الحرمين الشريفين ، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ورسالة   خطية أخرى لسمو  ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود .
ورسالة خطية حملها وزير الدولة الأسبق المكلف بالتعاون العالم العربي لدى الخارجية  الدكتور حامد كرهيلا من رئيس الجمهورية إلى  الرئيس السابق لجمهورية السودان  عمر البشير ، وزيارة معاليه  أيضا لدولة الكويت وحمله برسالة خطية من رئيس الجمهورية إلى الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت يوم 16 من نوفمبر 2017م .
ومن هذا المنطلق  تداعت موجات  هذه الحركة وتدفقت أواصرها و معالمها الخيرة من كل الجهات بنجاح منقطع النظير، بحكم فاعلية  جرعاتها  المحلية والدولية المختلفة، عبر منظار اللقاءات الرسمية الإقليمية والدولية والمشاركات الفعالة في  المحاضرات والندوات والمؤتمرات كما كان الأمر، خلال الدعوة الموجهة إلى  معالى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، للمشاركة في ندوة حول ” التشاور في السلام”  بمركز هيروشيما في اليابان، ودفاعه المستمر للجزر الصغيرة كما جاء في كلمته خلال اجتماعات الإتحاد الأفريقي بأديس “أبا أبا”  يوم 23 يناير 2018م.
 سياسة لها معيارها الدولي الثقيل  وذوقها المحلي الخاص في توجهها وتداركها كما جاء في كلمة وزير الدولة الأسبق المكلف بالتعاون مع العالم العربي الدكتور حامد كرهيلا يوم 12 من سبتمبر 2017م خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب لمناقشة الوضع في القدس  الشريف بمقر جامعة الدول العربية  حين أشار إلى:  أن جمهورية القمر المتحدة بتوجهها الجديد تتطلع إلى آفاق جديدة في سياستها الداخلية وتأمل بكل ثقة وقوة من جميع الشركاء إلى الوقوف مع البلاد في تحقيق التقدم والازدهار والتنمية الاقتصادية والثقافية لهذا الأرخبيل الغالي..وأوضح كرهيلا :  أن شعار الحكومة الجديدة” الصعود نحو 2030م ”  يعني به  التنمية والتطوير من أجل جزر الغد، منوها أن البلاد  في هذا السياق تعمل على إقامة وتنظيم منتدى حوار وطني شامل، يهدف  إلى دراسة ما تم تحقيق وإنجازه بعد مرور 42 عاما من الحرية والاستقلال.
رسائل يمكن قراءتها بكل وضوح  كما جاء في كلمة  وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي،  يوم 7 من مارس 2018م في اجتماع أعمال الدورة العادية (149) لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية العرب، برئاسة المملكة العربية السعودية، حين استعرض معاليه جهود الحكومة القمرية  في تطوير البلاد واهتمامها  وجدواها الوطنية.
دلالات كانت لها تحركاتها الرائجة في  نجاح هذا الحدث الفريد ، خاصة  في كيفية تعامل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي مع المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية والمنظمات المدنية  والدينية والاحزاب والقطاع العام والخاص  ..الخ، ودعواته المستمرة لها بالمشاركة في هذا المنتدى  الوطني العظيم، فكانت القدرة التاريخية الفذة على ترسيخ دعائم الحضور المشرف، وتفاعل المدعوين في حلقات  تجانس وتجاسر  في سيمفونية فعاليات يوميات الحوار الوطني، وجلالة  الدراسات وبراعة مقترحاتها المتنوعة، لأكبر دليل على الإرادة  القوية وعلى اللحمة الوطنية الراسخة، وقدرتها الفذة، على  تحمل أعباء الصعود إلى القمر بحلول عام 2030م.
تطلعات الدبلوماسية القمرية لم تتوقف عند هذا الحد بقدر ما تجلت تفاصيلها  المغرية في  تصوراتها الدولية  المختلفة عبر المشاركات المتنوعة في العديد من اجتماعات المنظمات الدولية  والقارية:كالاتحاد الإفريقي والكوميسا وجامعة الدول العربية و الفرانكفونية و التعاون الإسلامي و سادك، ومنظمة التحالف الدولي للطاقة الشمسية…الخ.
 هذا إلى جانب الاتفاقيات الثنائية  الموقعة:  كمذكرة تفاهم بين جمهورية القمر المتحدة والمملكة العربية السعودية بشأن تكفل  الأخيرة  بمنح  تخصص عدد من الأطباء القمريين لدى “جامعة موهيمبيلي”  بجمهورية تنزانيا الاتحادية،  و اتفاقية تطوير شارع المطار على نفقة  الصندوق السعودي للتنمية، واتفاقية تطوير مستشفيات منظمة الإغاثة بموروني، واتفاقية بناء فندق ” بنبواني”  بتمويل من الهلال الأحمر الإماراتي، وثلاث اتفاقيات تعاونية  مع الصين،  تعلقت بالمجال الاقتصادي،وذلك بإعادة تأهيل مبنى مجلس الشعب،  و مكافحة الملاريا، و المساهمة في بناء البنية التحتية في  البلاد ومع اليابان في التنمية المستدامة في البلاد، واتفاقية  تعاونية  بين جمهورية القمر المتحدة  وأوكرانيا  في المجال التعليمي، واتفاقيات الكويت  التي  تمخضت خلال الزيارة الرسمية التاريخية  التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية،  عثمان غزالي إلى دولة الكويت يوم 2 من أبريل 2018م  في زيارة رسمية استغرقت يومين  برفقة وفد رفيع المستوى، وتم في نهاية  الأعمال  التوقيع  على العديد من الاتفاقيات الثنائية  المتنوعة  بين الجانبين، لا سيما  الاتفاقية المتعلقة  بإنشاء لجنة مشتركة للتعاون الثنائي بين البلدين؛ كما قام فخامة رئيس الجمهورية  بزيارة بعض  المراكز الهامة ذات الصلة كالصندوق الكويتي و الصندوق العربي و غرفة التجارة الكويتية  ..وغيرها من الأماكن ضمن برنامج اليوم الأخير من الزيارة.
هذا إلى جانب طرح وتجديد  العديد من المشاريع الحيوية كمشروع واتفاقية إنشاء اللجنة القمرية الفرنسية السادسة التي عقدت في موروني بتاريخ 15 من ديسمبر2017م بحضور نواب رئيس الجمهورية وسكرتير ووزراء الحكومة القمرية ومستشاري رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان الاتحادي،  ووفد فرنسي رفيع المستوى بقيادة مدير أفريقيا والمحيط الهندي، إلى جانب ممثل الاتحادالأوربي وجزيرة مايوت القمرية، وعدد كبير من الدبلوماسيين  المعتمدين لدى موروني، ووزراء ومدراء الوزارات والإدارات المختلفة  في جمهورية القمر المتحدة، ومشروع الطاقة المتجددة،  ومشروع قمة تحالف الطاقة  الشمسية((ASI)     ) التي عقدت يوم   السبت الـ11 من مارس 2017م   بنيودلهي،  عاصمة  الهند، بحضور رئيس الجمهورية عثمان غزالي ، واستشرافه أيضا  في قمة ” كوكب واحد  ،،  بباريس بتاريخ 12 سبتمبر 2017، وقد بدى التفاعل الإيجابي على رئيس الجمهورية خلال  المناقشات ومداولة البحوث وتعبئة التمويل من أجل مكافحة آثار تغير  المناخ، الذي كان هو الهدف الأساسي من هذهالقمة  التاريخية.
كما تم في هذا السياق الدولي بعقد العديد من الندوات والمحاضرات في الوزارة  الخارجية والتي تعلقت بالتنمية المستدامة  في جزر القمر والدبلوماسية ومضمونها الحديث، كندوة حول الاقتصاد الأزرق ، وفرص المنظمة العالمية للتجارة OMC، وحول علاقاتنا مع بعض  الدول وسبل تطويرها كفرنسا والمغرب والصين واليابان..الخ،  وفرص الاستفادة من برنامج الأمم المتحدة..الخ
هذا إلى جانب زيارة ممثل الامم المتحدة بمورني  للوزارة ، وزيارة وفد من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بسلطنة عمان، ولقاء الوفد العماني بوزير  الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، ووزير الدولة الأسبق المكلف بالتعاون مع العالم العربي لدى الخارجية.. وزيارة كل من ممثل البنك الدولي، والاتحاد الأوربي ،  وزيارة أمين عام لجنة المحيط الهندي للخارجية،  وزيارة هيئة الإغاثة العالمية لمكتب الوزير، وزيارة نائب وزير الشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية،  وزيارة  وفد من  رابطة المدربين التربويين لموروني بالتعاون مع وفد من المجلس القومي الإفريقي لحقوق الإنسان، ومقابلته لعدد من المسؤولين القمريين ومنحه لوزير الدولة الأسبق المكلف بالتعاون مع العربي  بلقب سفير النوايا الحسنة….الخ

تابع الجزء الثاني غدا