بين الشّعب ونبيّ آخر الزّمان

 

أبو هشام أبوبكر عبد الرّحمن عبد الله

لم يكن الشّكّ يبيت في أعماق جفني، ولم يراودني الرّيب أصلاً، ولم يحدثني الزّمان بحقائقه الملموسة، أنّ مثل هذا الشّعب العظيم، لبكور الإسلام فيهم، وإرساخ الشّريعة بينهم، ومكانتهم في الإتباع، والخوف من الرّدة سخطتاً لدينهم، وإقدامهم وشجاعتهم ضدّ من يريد التّطاول على نبيّهم، سيلعب بحبّ نبيّ آخر الزّمان، بكرتونة حبّ مزعومة، تلمع وتتجسّد في مجالس القهوة وتبادل البسكويت، في أيّام الافتخار والتّظاهر عليه، بساعات قليلات تتنافس في أيام الرّبيع، لربوع قلوبهم المتعلّقة بالحماسة والعنتريّة، والشّهوة النّفسيّة وحبّ الدّنيا وزخرفها، تلك الوهميّة تشغل بال كلّ من يعرف حقيقة الحبّ ويقرأ حول الرّومنسيات والتّضحيات.
أم لم يعرفوا رسولهم؟ سؤال يرد في كلام الله المنّان باستفهام يهزّ عرش الرّحمن، إنّه النّبي الأعظم، عظيم بأخلاقه وصفاته الرّفيعة، ولعظمة رسالته العالميّة، نبيٌ ظهر في فترة من الزّمن، بين مصدقين لنبوّته؛ فأعلوا حبّه وشأنه، وبين مكذبين لرسالته؛ فأبغضوه وكرهوا رضوانه، وهي فترة جهالة النّعمة الرّبانيّة، وقهر الرّجال نحو المأثورات السّالفة، إذ أنّ غايته إخراج النّاس من ظلمات السّاعات بأفعاله وأقواله، إلى السّعادة وخير جنّات، فنكبوا عن الصّراط من كانوا عن الأهواء متّبعون، مع استيقان قلوبهم بالحقيقة، لما رأوا من صدق نبوّته في قوة بيانه وحلاوة كلامه، وكلّنا مشتاق لنجالسه ونشمّ رائحته العطرة، ولكن هيهات هيهات، فيكفينا الأتّباع.
وبعكس هؤلاء، رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه في صحبهم له وتضحياتهم، وتقديم نبيّهم في حياتهم على أنفسهم، فمنهم من قضى نحبه بالصّدق والوفاء، وفضلوا بيع أرواحهم لمحبيهم، تلك والله تجارة لن تبور، ومنهم من ينتظر النّصر أو الشّهادة وما بدّلوا تبديلا، تلك الحبّ الّذي أكّده ربّ العزّة والجبروت بقوله:(رضي الله عنهم)، إذاً سلوا عن بلال بن رباح الحبشي حين عُذب في رمضاء مكة وهو يرسم حقائق الحبّ، سلوا عن مصعب بن عمير دليع مكة حين فضّل النّبي صلى الله عليه وسلم على أهله وهو يبكى بكاء الحبّ، ألم يأتيكم نبأ عثمان بن عفان وهو يضحّي بأمواله في السّاعة العسرى، ألم تسألوا عن حسان بن ثابت وهو يزفّ نبيه بنغمات الشّعر.
ماذا قدّموا لنبيّهم؟ ألم يقرؤوا كتب أهل السّير فيعرفوا عن العُمران، ألم يطّلعوا على مؤلفات العظماء فيتعرّفوا عن فضائل الرّجلان؟ هما: رجلان قد خُلقا لنصر محمدٍ، وهما لدين الله مستبقان، رجلان عقدهما شريعة أحمدٍ، بدمي ونفسي ذلك الرّجلان، بنتاهما أسمى نساء نبيّنا، يا حبذا الأبوان والبنتان، ثلة همّهم إتّباع نبيّهم في العبادات والتّشريعات، وليس التّظاهر به في الجلسات والعادات، قومٌ كانوا قليلا من اللّيل ما يهجعون خشية منه، وبالأسحار هم يستغفرون تقرباً إليه، قومٌ إذا قضى الله ورسوله أمراً من أمور الدّنيا والآخرة، لا يكون لهم الخيرة من أمرهم، قومٌ إذا مرّوا باللّغو مرّوا كراماً، فذاك مقياس المحبة وليس التّنطعات والمغريات.
إهانة تلو إهانة، ولا أعني للشّعب كله، إنّما جماعة لا تدين بما يدين به الآخرون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف يجهزون العدّة والعتاد لأجل الفوز بميداليّة الجلسة، ولربّما يتخلّون بالعبادة ليخرجوا بكيس يشفي غليل صدورهم وقومهم، ولو رجعوا فارغ الأكف، يتوارون من القوم من سوء ما يبشرونهم به، والله إنّها الهزيمة إذ لم يربحوا بالمحبة وخسروا البسكويت، وبعضهم يأخذون زينتهم عند كلّ مقام الفخر ليعلو حظهم بالأماكن المرموقة الفاخرة الّتي تشار إليها بالبنان، ولو اختلطت الأمور ووجدوا أنفسهم في ما لا يليق بعظمتهم وزينتهم، يهزّون رؤوسهم، وتأخذهم العزّة بالإثم، وجماعة تمكّنت قلوبهم؛ لأنّه ستأتيهم بكلّ صغير وكبير، ولا خوف عليهم للنجاة .
يا حسرةً على العباد، والعظيم بالذّكر، أنّ بعضهم ربّما لا يعرفون اسم هذا النّبيّ الأعظم الثّنائيّ ولا الثّلاثيّ صلوات الله وسلامه عليه، ولا مسقط رأسه، ولا مقام نصرته، أو بماذا بعث به، ولربّما يسخرون بمن عُرف بالاقتداء به، أينتظرون الأعاجم من كلامرتين الفرنسي في كتابه تاريخ تركيا، وميكل هارت الإنجليزي في كتابه الخالدون وغيرهما أن يعلّموهم إيّاها؟ أم ينتظرون شيخاً أعرابياً ليأتيهم بأبيات شعريّة عجيبة في وصف أفضل الخلق ليترنّموا ويتنغّموا بها في مجالسهم؟ أما أوتيت إليهم كتب يدرسونها؟ كيف سيستوى الأعمى والبصير، أو الظّلمات والنّور؟ مع أنّه يلتمس منهم في تلك المحافل تضحيات لا بأس بها، توضّح حالتهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة .
ولا ريب أن قصدي من هذه المقولة المحمديّة إرادة تعظيم المحبوب في قلوب محبيه، وليس حمل حكم دين، فالدّين له رجال، لأنّه الواقع الّذي ينسكب به الدّموع لماّ يحّس المرء بهذه الإهانة نحو نبيّ الرّحمة والبشير النّذير والسّراج المنير، لماذا لا يتعايشون أخلاقه في حياتهم اليوميّة؟ فيمرق الشّباب في قدوة من لا خلق له ولا صفة حميدة تذكر، لماذا لا ينتهزون هذه الفرصة في تعليم أبنائهم صفات هذا النّبيّ الّذي يجدونه مكتوباً عندهم؟ أهي غلبة التّراث والعادات المارقة، أم حبّ التّفاخر والعظمة؟ أتستمر هذه اللّقاءات الأدبيّة الوصفيّة أم سيتغيّر حالهم مع نبي آخر الزّمان إلى أحسن الأحوال، وأخيراً أقول لهم: عظموا ما عظم الله لكم، فيعظم الله أجوركم.
                                  فداك أبي وأمي ومقولتي هذه يا رسول الله