دور المشاريع الصغيرة وأهميتها في التطوّر الإقتصادي للدول

بقلم الكاتبة والأديبة السودانية / نهى إبراهيم سالم

 

الطموح، الإرادة، العمل، معها لن تهزمنا قساوة الأيام، ولن يكسرنا واقع الحال كأفراد، كمؤسسات أو كدوَل. البدايات الكونية والمكونات والكائنات كلها ولدت من أشياء صغيرة جداً أو من لاشيء، من نطفة أبدع الخالق هذا الإنسان عظيم التفاصيل بدقة وجعله قادراً على التفكير والعمل والنجاح، يستطيع أن يصنع من أحجار الفشل جسراً فوق الوحل ليعبُر شرط أن يكون إيمانه بالله يسبق إيمانه بنفسه، وأن يكون طموحه أكبر من جنوحه للاستسلام، وإرادته محرك لإدارته، ويوقن بأن التغيير ينجح بحسن التدبير.
كاذب من يقول أن طموحات الإنسان وأحلامه أكبر من قدراته، المواهب تخلق الفرص لكن الحاجة للتغيير والخروج من القاع بنجاح تجعلنا نكتشف تلك المواهب.
ومن هنا كان اهتمام اليابان بقطاع المشاريع الصغيرة والمشاريع متناهية الصغر والمتوسطة بعد خسارتها البشرية والإقتصادية الفادحة في الحرب العالمية الثانية، هو سر نهضتها وجعلها الأكثر تقدماً اقتصادياً وصناعياً اليوم، حتى صارت من أغنى التجارب العالمية التي يضرب بها المثل.
وبالطبع ليست الوحيدة ،فمعظم الدول المتقدمة انتهجت ذات النهج وحققت نجاحاً باهراً أيضاً مثل الصين، ماليزيا، ألمانيا، إيطاليا، أذربيجان، تركيا، أمريكا، البرازيل، الأردن، الكويت، الإمارات العربية، والمغرب و غيرها.
ولكن سآخذ تجربة اليابان مثالاً للأكثر تقدماً، وسأذكر جزءا توضيحيا لها من مقال رائع وثري جداً للمحامي والكاتب المعروف في مجال التطوير المؤسسي، الأستلذ محمد عبد المؤمن الشامي، حيث ذكر فيه : “أن المشاريع الصغيرة تمثل 99,7% من عدد المشاريع في اليابان ويعمل فيها أكثر من 40 مليون عامل بنسبة 82% من إجمالي القوى العاملة ، هذا بالإضافة إلى مساهمتها بنسبة تصل لنحو 80% من إجمالي الناتج، بحيث أصبحت المشاريع الكبيرة ماهي إلا تجميع لإنتاج الصناعات الصغيرة التي تتكامل أفقياً ورأسياً وأمامياً وخلفياً مكونةً فيما بينها تلك المشروعات الصناعية العملاقة. وبذلك أكدت أن تحقيق التنمية الإقتصادية ليس بالضرورة من خلال الشركات الضخمة وإنما يتأتّى من خلال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، وبالإضافة إلى تعدد الأنشطة التي تعمل بها وتوفيرها للعديد من فرص العمل، لما لها من دور ريادي في الابتكار، وخلق صناعات جديدة، وتشجيع المنافسة مما يؤدي إلى زيادة وتحسين جودة منتجاتها وبالتالي دعم متنافسيها على الصعيدين العالمي والمحلي من خلال توفير كافة المساعدات الفنية والتمويلية والإدارية وحتى التسويقية لإنجاح تلك المشاريع.
هذا الجزء وحده من المقال كفيل بأن نغير زاوية رؤيتنا للأمور خاصة ونحن عالقون في النفق عالقون بمعنى الكلمة، ولن نجد مخرجاً إلا بضوء اهتمام حقيقي يوجَّه إلى تلك المشاريع بحركة تعاونية فعلية جادة “حكومةً وشعباً”.
فأول الخيط أفكار فردية تتحول لمشروعات متناهية الصغر أو صغيرة أو متوسطة ثم إلى مشروعات كبيرة ثم ضخمة ثم تصبح من أهم روافد التنمية للبلاد بمختلف اتجاهاتها وأنواعها. لذا يجب التعامل بجدية وقوة إرادة مع ما نحن عالقون فيه، يجب أن ندرك حجم الوضع السيئ الذي نحن فيه كي نتحدى عادة التردد السلبية، والخوف من المغامرة، والافتراضات الوهمية التي تعيقنا عن تحقيق نجاح يتطلب الكثير من الشجاعة.
ثقتي أننا قادرون على الإنجاز إذا عزمنا، والأهم أن لا ننسى ونستهون بعامل الوقت الذي ليس فيصالحنا.
أعلم أني لست متخصصة كي أتحدث عن الأهمية الكبيرة للمشاريع الصغيرة وميزاتها، لكن لن يجعلني ذلك أجلس في ظل اللامبالاة، بل سأطرح رأيي المتواضع، فالمصلحة عامة ومشتركة، وكي تكون المعرفة عامة وشعلة الضوء في متناول الجميع سأكمل.
بما أن المشاريع الصغيرة تعلب دوراً رئيسياً في تطوير اقتصادات الدول، وتنمية مواردها المادية والبشرية للارتقاء بالمستوى المعيشي والحضاري وفق منظومة عملية وعلمية لاتتجزأ. لقد أصبح من الضرورة القصوى فتح أسواق العمل لها على مصراعيها لأنها قادرة تماماً على استيعاب أعداد ضخمة من الشباب وغيرهم، وهذا بلاشك سيخفف الضغط العالي على المؤسسات الحكومية وطلبات التوظيف وميزانية الدولة، فالواقع يقول أن الإقبال على الوظائف في القطاع العام خلال السنوات القادمة سيتضاعف بشكل مهول يفوق الأعداد التي يتم توظيف جزء منها كل عام بينما لايحظى بها الجزء الآخر مما يجعلنا نقف بين كارثتين حقيقييتين، هما “البطالة والهجرة” ولكلٍ منهما مخاطرها.
لذا أعود وأكرر بأن المشاريع الصغيرة هي منفذنا الوحيد للخروج من النفق، لأنها الأسهل تنفيذاً وتكلفة، والأنسب لمحدودي الدخل ومُعدَميه، خاصة مع الوضع الإقتصادي الذي تمر به البلاد، وبذلك تتوفر فرص العمل التي تقلل من البطالة والهجرة والتسول والجريمة.
كيف لا، وتلك المشاريع تعمل على سد احتياجات الفرد بدخل مجزٍ يعبر به إلى حياة اجتماعية كريمة. والأجمل أنها تعمل على دفع الشباب الخلاّق للإبداع لأنها تستحوذ على تفكيره وجهده وحماسه للإبتكار،
فتعزز ثقته بنفسه وبقدراته فيطورها بوعي أكبر حتى يصل لمرحلة الاستثمار في المشاريع الكبيرة، وبالتالي يتوسع حجم الإنتاج والصادر ويقل الوارد، فيكون الاكتفاء الذاتي هو النتيجة المثلى، وهذا مايجعل المشاريع الصغيرة أهم وأقوى حضوراً من الكبيرة، لأنها فعلاً تعمل على تطور وتأهيل المستثمر الصغير حركياً وفكرياً وإبداعياً وليس مادياً فقط، إذ يصبح قادرا على معرفة أدق مشكلات سوق العمل والتغلب عليها بصبر وحكمة وإصرار، وهذا سر النجاح لأي مشروعات على أرض الواقع، بالإضافة للإدارة الجيدة والأمانة والصدق في المقام الأول.
ومن عوامل نجاحها أيضاً وضع رأس المال المناسب للمشروع المناسب مع دراسة السوق والمستهلك والجهد والمسافة الزمنية والمكانية التي تسهل عملية التسويق والترحيل والإعلان، ولا ننسى أن جودة المنتج هي المعلن الأقوى والحقيقي عنه.
إن الفرص المواتية كثيرة جداً، لكنها تحتاج فقط إلى المثابرة والتخطيط الجيد، ولا نهمل جانب المشورة كما قال الجاحظ “المشورة لقاح العقول ورائد الصواب”، والمستشير على طرف النجاح، وما خاب من استشار.
فلنشحذ هممنا كأفراد مستثمرين وعلى عاتق الحكومات والمؤسسات يقع التالي :
-إنشاء مؤسسات وطنية ضخمة مخصصة لتمويل المشاريع المتوسطة والصغيرة وحتى متناهية الصغر، ورعايتها وتنميتها من قِبل إداريين متخصصين في ذلك ، واستشاريين، وخبراء لتقديم إرشادات ودورات تدريبية عالية تؤهلهم لسوق العمل والمشاريع الكبيرة مستقبلاً، فمثل هذه المؤسسات ستوفر الكثير من الوقت والجهد .
– توفير الوسائل والآليات والمعدات والمواد التي من خلالها تبدأ المشاريع وإزالة العقبات التي تواجهها خاصة تلك الحرف اليدوية التي تعمل على حفظ تراثنا القديم وقيمنا وهويتنا.
-إيجاد الحلول التي تتيح تسويق المنتجات والصناعات داخل وخارج البلاد بشكل غير مكلف ويتناسب مع الأرباح.
– توفير المنشئآت لإقامة المشروعات وتخصيص أماكن عرض وتسويق محددة في مواقع استراتيجية حيوية يسهل الوصول إليها.
– توفير الحوافز والفرص العملية التي تخلق جوا تنافسيا مثمرا.
– تحديد فترات سماح تناسب قدرات السداد مع وضع نظام تأمين في حالات تأخر السداد أو الخسارة وغيرها.
– تسهيل الإجراءات القانونية، والإعفاء من الضرائب، وتخفيض الإيجارات.
ولن أنسى قبل أن أختم الإشارة لواحدة من أكبر المشاكل والمعيقات التي تواجه أصحاب المشروعات الصغيرة حسب استطلاعي واستماعي لهم، وهي عدم توفر المواد الخام التي تدخل في مختلف الصناعات، بل حتى لو توفر بعضها فإنه يكون فاقداً للجودة مما يجعلهم مضطرين لاستيرادها أو طلبها من الخارج، مثل أدوات النحت المختلفة التي يستخدمها الفنيون والحِرفيون، وكثير من أنواع الألوان والأدوات التي يحتاجها الفنانون، المواد والأدوات والإكسسوارات التي يحتاجها المصممون للمنتجات الجلدية، الأحجار الكريمة والمواد التي تدخل في تصميم الإكسسوارات النسائية، وغيرها الكثير والكثير في كل المجالات.
لذا نرجو من السادة المسؤولين من رؤساء، ووزراء، وسفراء ورجال أعمال، مختصين واستشاريين وإداريين، مستثمرين كبارا وصغارا، والباحثين عن فرص أن يلتفتوا باهتمام أكبر ويشعلوا الضوء للمشاريع الصغيرة حتى نخرج من هذا النفق وإلا سنظل عالقين فيه إلى أجل غير مسمى.