سـيـطـرة الـمـارقـــيــن

بقلم / محمود محمد مهوما – محلل سياسي
ينشغل الباحثون في الحقل السياسي في تقديم دراسات معمقة تحاول تفكيك المعادلات الصعبة في التفاعلات السياسية و وضع مقاربات واضحة تساعد على فهم الأنظمة السياسية و النظام السياسي الدولي و صناع القرار السياسي في الوحدات الدولية ، و بالتالي الانتقال إلى وضع تنبؤات للسلوكيات المحتملة في العلاقات الدولية و من ثم وضع النظريات السياسية التي تساعد في جعل العلاقات و التفاعلات الدولية و المحلية أكثر بساطة و أكثر قابلية للفهم ، و تساعد في وضع استراتيجيات و مخططات تستخدمها الوحدات الدولية في سياستها الداخلية و الخارجية ،
 من خلال قراءة معمقة حول الشأن السياسي و الاجتماعي القمري و التفاعلات بين المؤسسات الرسمية و غير الرسمية و ما تنتجها من أنماط معينة من السلوك السياسي ( النخب السياسية ) و التي تميز المجتمع القمري عن غيرها من المجتمعات الأخرى، وكذلك قراءة في العوامل التي تساعد على التحكم و السيطرة على مواقع القرار السياسي و السيادي لمجموعة أو طبقة معينة و شكلت نوعا من شبكات معقدة في الآليات التي تتم من خلالها تداول السلطة فيما بينها، و أظهر عجز المجتمع القمري من تفكيكها ،
أقدم سردية نابعة من قراءتي حول الأسباب التي تجعل من تلك المجموعة (المارقين ) تمتلك القدرة على سيطرة القرار السياسي و الاقتصادي في جمهورية القمر المتحدة ، ممكنا و مستمرا ،
 ثمة أسئلة يجب ألا تغيب عن وعي القمريين ، كما يجب طرحها و ربما محاولة الإجابة عنها بوضوح من دون أي مراوغة ،
– أين يكمن الخلل في المنظومة التي تقود الدولة ، أهي في النصوص ( النصوص القانونية )( المقولات الاجتماعية ) ( الأيديولوجية السياسية) أم في النفوس ؟
 – هل يمكن الاستغناء عن النخب السياسية التي تسيطر على المشهد السياسي في الدولة منذ الاستقلال ؟ و استبدالها بنخب شابة ذات كفاءات عالية من التعليم و الخبرة العملية ؟
 – و هل تقبل النخب المسيطرة أن تتقاسم السلطة مع الجيل الأصغر سنا أو أن تتنازل عن السلطة ؟
 أظهرت السياسات المتعاقبة منذ فترة ١٩٧٨-٢٠١٩ أن النخب السياسية وقفت ضد الشعب و الدولة القمرية في خندق واحد مع المستعمر الفرنسي ، فلم تقدم حلولا جذريا لأهم القضايا الأساسية في المجتمع القمري، مشكلة البطالة و الفقر ، تحديد هوية الدولة ، تحرير مايوت ، مشكلة انتقال السلطة ، و المشكلات التعليمية و التكنولوجية.. الخ،
أجد أن الأسباب التي توفر البيئة المناسبة و العوامل المساعدة على سيطرة المارقين على مواقع القرار السياسي حسب قراءتي للمجتمع السياسي و الاجتماعي القمري كالتالي : –
المارقون هم نتاج تفاعل عناصر بيئية ثقافية و تقاليد وزعت هذا الإرث بالتساوي بين المجتمع القمري كلاً حسب قدرته و مهارته على تطويعها ليحقق مصالح ضيقة، و هذه العناصر تدفع الفرد إلى أن يتحول من فرد صالح إلى مارق سياسي محترف ! و الحل يجب إعادة قراءة نقدية عميقة في تأثير الموروث الاجتماعي على الحياة السياسية !
-توظيف المقدس ( النصوص الدينية ) لأغراض تخديريه للعقل الجمعي ! أقصد هنا فصل المجال بين وظيفة الدين ودوره في الحياة السياسية و الاجتماعية و إعطائه الشكل المناسب و الذي يليق به دون استخدام التفسيرات التحويرية و التي تخدم مصالح فئة معينة،
 – أمر مرتبط بعالم السياسة ( التسول السياسي ) أقصد هنا أن الدولة القمرية غير منتجة ، كسولة لا ترغب في العمل و الإنتاج بل تعتمد على المساعدات الخارجية لتأمين حاجاتها اليومية من أجل بقائها، مما جعلها أقرب إلى الفشل أو فاشلة !
-السياسة القمرية أشبه بلعبة الأطفال التي تفتقد إلى مبادئ و قواعد ناظمة وحاكمة ، أقصد أن صناعة السياسة الداخلية و الخارجية للدولة القمرية ليست مبنية على محددات واضحة وقاعدة مكتوبة و تحديد اتجاهات و أهداف بشكل دقيق ومحدد، بل تعتمد على مزاج صانع القرار السياسي ، “اجتماعات وزارية دورية دون حل للقضايا الساخنة ، سفريات خارجية و مشاركات في تفاعلات دولية و إقليمية شبه يومية دون تحقيق مصالح كبرى وطنية ،
 – العقل النقدي؛  فلا مكانة للعقل النقدي ( المعارضة الوطنية ) التي تساهم في إنتاج نظام سياسي متطور و تشارك في سد الثغرات و تقديم المشاريع التنموية و التقدمية و إضاءة الأماكن المظلمة في الجانب الحكومي ،
 – بيع عقل المثقف ،النخب الحاكمة تشتري العقول التي تناسب سياستها و تدفع الأموال و تؤمن فرص عمل للمثقف داخل إحدى مؤسساتها إذا باع ضميره للشيطان، هي سياسة تتبعها النخب الحاكمة من أجل استمراراها و بقاءها، من خلال إيمانها بالدور المؤثر للمثقف في الحقل الثقافي ،و تهمش العقول الراقية الذي يحمل الالتزام تجاه القيم النبيلة و المثل العليا ، إن جميع هذه العوامل الاجتماعية و غيرها و التي تشكل الحالة الاجتماعية القمرية، أدتْ خدمة لنظام المارقين ، جعلت للمجتمع تستسلم لإرادة نخب مارقة ، تلك النخب  استثمرت هذه العوامل و الحالة الراهنة و سيطرت على الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية لفترة من الزمن ، أصبحت لديها من الخبرة و المعرفة ما يكفي على الاستمرار و البقاء ،
 يمكن إعادة تصحيح المسار السياسي القمري إذا قاوم المجتمع جميع الحالات و العوامل التي تكرس سيطرة المارقين ، ألا يترك المجتمع القيادات الغير كفؤة في إدارة الدولة عبر مؤسسات فارغة من الخطط والبرامج و السياسات التنموية ، يجب إعادة صياغة المفردات و الكلمات و إعطائها الدلالات الحقيقة ، مثل المواطنة ، الحقوق العامة، الخدمة العامة ، سرقة المال العام ، و أن نعيد التلازم بين أن نفكر و أن نعمل فلا فصل بينهما