المسرح الإفريقي .. رمز وإيقاع

بقلم الأديبة والشاعرة / نهى إبراهيم سالم
هل قدرة الخيال الخلّاق على التوغل في مجاهل النفس البشرية جعلته فعلاً أقدر من مناهج العالم التجريبية على فهمها إلى هذا الحد الكبير؟ سؤال يراودني ويطرح نفسه كلما سمعت أو قرأت أو رأيت ملمحاً من ملامح تكوين المسرح الإفريقي جنوب الصحراء قبل الاستعمار بما يتماشى وفق حضارات هذه المجتمعات المتشبعة والمتأثرة جداً بطبيعة القارة الجغرافية والثقافية ككل. ويروقني جداً قول الكاتب السوداني المبدع عبدالغني كرم الله في تعريف بسيط وأنيق: (طقوس إفريقيا كلها مسرح .. ميلاد، حصاد، موت، عرس، تتويج).
وأنا إن كنت قد تجرأت بخوض غمار هذا البحر المستفيض بالفن فهذا لا يعني أنني أراه بعين تحليل وتمحيص ونقد، بل فقط بعين هاوٍ يعشق الإبحار فيه بقارب فكر متواضع لم يأتِ بجديد لكنه حاول اختزال واختصار كل ما مر به من كتب ودراسات ومشاهد وقصص مشوّقة في مقال مبسّط لوضع القارئ في إطار شبه مكتمل لهذا المسرح المدهش ، ويكفيني أن يشاركني الرؤيا لا الرأي؛ إذ لا أخلو من قصور وخطأ وغفلة وعناد.
المسرح الإفريقي ككل المسارح قائم على ترجمة لركام من وقائع وأحداث تجسد قضايا الإنسان بطريقة درامية تستعرض بواطن الأشياء في عالم تلاشت فيه كل الأسوار بعيداً عن القيود، معتمداً على معايير تتناسب مع متطلبات المجتمع، فتتضافر عدة عناصر مكونة لهذا العالم الرائع الذي استمد قوته من طبيعة القارة الثقافية.
لكن غياب الكتابة بشكل كبير آنذاك جعل المسرح الإفريقي يختلف عن كل المسارح الأخرى ويسلك طريقه الخاص؛ فاستخدم الرمز بدلاً عن الكتابة، وضم هذا الرمز جماليات لها قدرة فائقة على تناول شتى المواضيع بعمق وتلقائية وبساطة ووضوح ووعي تام.
فكانت لغة الجسد من حركة وعمل كما أُطلق عليها أهم من لغة الحوار والجُمل، فاعتمد على شخوص قادرة على هندسة الحركات بنسيج حسي موحد تماماً مع الطبيعة وتفاصيلها، حيث استخدمت كل طاقاتها في الإيماء والإيحاء والمحاكاة للمشاعر والتقليد والإشارات الصوتية والرقصات التي تتناسب مع جوهر طقسها بالإضافة للأقنعة التي حملت كثيراً من الرموز التي لها دور عظيم في الحكايا خاصة الشعبية منها، وأيضاً الألوان التي تطلى بها الوجوه كمكياج لا غنى عنه، والأزياء التي صنعت من جلد الحيوانات، والإكسسوارات الغريبة الشكل من عقود وحلقات وأحزمة، بالإضافة أيضاً لأهم ما يميز القارة!!
وهي الإيقاعات التي تُعَد أعظم عمل فني يمثل إفريقيا حتى عصرنا هذا، وكل هذا على أرض مسرح أجمل ما فيه أنه يقام في الهواء الطلق؛ ديكوره الطبيعة بأشجارها وأحجارها وأنهارها وشمسها وقمرها ونارها وكل ما هو في حدود الإمكانات.
إنجاز هائل شارك فيه الرجال والنساء والأطفال وأبدعوا للغاية، كما يتاح للجمهور المشاركة في العرض وهذه إحدى السمات الرائعة والممتعة لمسرح يعرض في القرى والأرياف وفي كل مكان به مناسبات اجتماعية وطقوس، كالطقوس الدينية وحفلات التتويج ، الزواج ، الختان، الحصاد، إعلان الحرب، وفي كل طقس يجمع القبيلة وأهل القرية.
المسرح الإفريقي رغم بساطته إلا أنه نجح في طرح كل القضايا التي تهم ابن القارة كالمعتقدات والصحة العامة، القيم والسلوك، الصراع بين الخير والشر، عبادة الأسلاف وتمجيدهم إستحضار أرواحهم الأساطير والخرافات والقوى العليا القادرة على التغيير والتوجيه نحو الخير.
هذا غير إيمانهم المطلق باتباع الزعيم أو الملك الذي له مكانة رفيعة وخاصة في هذا المسرح الذي كان نتاج احتياجات إنسانية عميقة للتعبير عما بداخلها ومايشغلها فبدأ من الوسط العائلي وامتد حتى طاف القارة بأسرها ملتزماً بطبيعتها دون حياد، متحكماً في إنعطافات طرقاتها، مجسداً كل الأشياء تجسيداً لاينفصل. عيون طبيعة، وثورة جسد، وصوت روح، وأنامل فكرة، امتزجت كلها في لحظة إبداع لمخاطبة الآخر بلغة شفافة بليغة قوية تجاوزت كل التوقعات بروعة لا مثيل لها ومازالت تحتفظ بعرشها حتى الآن.