تكاليف الزواج بين المطرقة والسندان

بقلم الأديبة والشاعرة / نهى إبراهيم سالم
ألبرتو مورافيا، أحد أشهر أدباء إيطاليا في القرن العشرين أحدث نقلة أدبية كبيرة في أوروبا. أديب روائي وقاض وصحافي وفيلسوف بارع. من أقواله الفلسفية : إن استخدام الإنسان كوسيلة وليس كغاية هو أساس كل الشرور . وأيضاً يقول: إن أكثر التعاليم الخاطئة هي تلك التي تقدمها العائلة دون اكتراث وإن أي مدرسة حتى الأسوأ تظل أفضل من العائلة. ومابين فلسفة مورافيا وما أريد تسليط الضوء عليه معترك شائك جعلني ألمس مدى الترابط وصحة فلسفته في أمر واقع يتكرر بشكل غريب ومستمر.
إننا كمسلمين نحتاج جداً بل فرض علينا أن نقوم بتشذيب الأفكار وإعادة تخليقها وبلورتها وصياغتها بما يرضي الله ويصل لرضى كل نفس بشرية … طقوس الزواج على الموضة أو على العادات والتقاليد! مهر خيالي لا يُعلى عليه، ذهب ومجوهرات باهظة الثمن، هدايا وأثاث ومستلزمات بلا عد ولا حد، عرس رفيع المستوى للغاية، حفل بتكلفة عالية، تجهيزات خرافية، وربما شهر عسل في مكان أكثر تكلفة، هذه شروط البعض لمن يتقدم لخطبة بناتهن أو شروط البنت نفسها مع تراوح التكاليف من أسرة لأخرى أو ربما هي عادات يستحي البعض ويكابر أن يتخلى عنها فيتحمل فوق طاقته.
وغالباً ماتكون الأم هي الناطق الرسمي باسم العائلة والنغمة العالية مع الإضاءة والتنبيهات، أما الأب احياناً يكون في وضعية الاهتزاز يعارض مرة ويقبل أخرى وربما لا يحس به أحد؛ هذا إن لم يكن صامتاً وإلا فأين هو من كل هذه الجلبة؟؟ أما العروس فكثيرا ماتكون محظورة من الحديث حتى حين؛ هذا إن لم تسر على نفس ضبط التهيئة والقوانين. لذا، فالأُسر هي المسؤول الأول عن هذا، وهي جزء من مجتمع يحتاج صياغة من جديد.
ومايحيرني أن ثمة زواية بها علامات استفهام .. هل نحن فعلاً مسلمون؟ أوليس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: أقلّهن مهراً اكثرهن بركة؟
إذن، فالعكس صحيح، والدليل ارتفاع نسبة المشاكل والطلاق وفشل هكذا زيجات بل وعزوف الشباب وتخوفهم من الزواج. وأيضاً، هذه العائلات التي ترضخ لكل هذا إن كان رغماً عنها فماذا يرغمها؟ وإن كان برضاها، فهل هي قليلة التفكير وغير مسؤولة لهذا الحد؟ وفي الحالتين حين يسألهم الله يوم القيامة “عن مالك فيما أفنيته؟؟” ترى ماذا ستكون الإجابة؟ بل كيف ترضى تلك العائلات أن تكون قيمة ابنها أو ابنتها مرهونة بالمال فقط؟ هل علا صوت المظاهر الخداعة والمادة والرياء والتقاليد على صوت الدين والشرع والخُلق والأمان والبركة والراحة؟
لقد كرم الله الإنسان وفضّله على سائر المخلوقات بحيث جعل إنسانيته وروحه كنز لا يقدر بثمن، ووهبه نعمة العقل والقلب، ثم منحه نعمة الإسلام ليحافظ عليه. وهاهم البعض يفرطون في الكنز بإزهاق الروح و بجعل ثمن لها، “كم سيدفع لأزوجه ابنتي؟” أليس المنطقي أنها إنسان لايقدر بثمن وتكفي المحافظة عليه ورعايته ليظل جميلاً عزيزاً معافى؟ ومن اللا منطقي أن يهلك الابن في جمع الأموال الطائلة فقط لكي يتزوج! وربما تمر عليه سنين طويلة لتسديد هذه التكاليف التي يعلم الله كيف تحصل عليها وبأي جهد.
يفرّطون في عقولهم وعندما يشير الحكيم بإصبعه للقمر لايتعدى نظر الحمقى موضع إصبع الحكيم. يفرّطون في القلب فيسجنون الرأفة والشفقة والواجب في قفص المادة والأرقام. يفرّطون في تعاليم الإسلام وأوامر خاتم الأنبياء والمرسلين. فكم من مسكين بات جائعاً؟ وكم من مريض يحتاج للدواء؟ وكم من طالب علم فقد طريقه؟ وكم من طفل محروم أن يشتهي قطعة حلوى كم وكم وكم وكم؟!
صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم هذا فرض.
كان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .. هذه إنسانية.
شق تمرة ينجي من عذاب جهنم .. هذه خشية.
المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً .. هذه رأفة.
رسالتي لكل من له قلب ينبض : دعونا ننهض بتفكيرنا ونرتقي كأمة مسلمة، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، فصفاء الحياة في تقوى القلوب لربها.