جزر القمر: مُبِيْنِي .. مدينة في مرمى أنياب الحيوانات السياسية المفترسة!

*بقلم الكاتب الصحفي / محمد سيد سعيد –
(1)
كما أن لكل حادثة حديثًا فهذا زمن الكورونا، ذلك الفيروس القاتل؛ الأخطر من بين أنواع الفيروسات الخطيرة التي عرفتها الطبيعة.
وخطورته ليس في أنه يقتل المصابين به، بقدر ما أنه يقتل السامعين عنه قتلًا بطيئًا بتوقعهم وصوله المتسلل، الطيار المحتمل، إلى مساكنهم في أي لحظة.
وذلك نتيجة خطأ وقائي أو إجرائي ما، قد تسببه السلطات المعنية أو الجهات المختصة بأمر الصحة العامة في أي وطن، من باب الإجراءات الصحية الاحترازية.
دعنا عن الكورونا، وإن كنا لا نستطيع الذهاب بعيدًا عنه مهما نفعل، فهو الذي سيظل محفوظا ضمن غيره من المصطلحات العلمية التي أوجدها البحث، مثلما اكتشفتها الضرورة والحاجة؛ بعد شعور حاد بالخطر المحدق على البشرية قاطبة، من هنالك، حيث “وُوْهان الصينية”!
نعم، في الوقت الذي يعد فيه أفراد الجالية القمرية، من الطلبة وغيرهم، الموجودين في جمهورية الصين الشعبية الشقيقة بالمئات، وقد يبلغ العدد ما فوق ذلك..
وهم المغتربون في دولة؛ هي الأكثر سكانًّا على وجه الكوكب، ترفع نداء الخطر مستنجدة بالنظام العالمي، عبر منظمة الصحة العالمية، على إثر نازلة الفيروس المشار إليه، وجولات الحديث عن هذا الموضوع مثل صولاتها، كلٌ يلخص قصته؛ الوقاية بالنفس والأهل والصاحب بالجنب وابن السبيل الوقاية!
(2)
حتى جاء الدورُ لشبابٍ من قمرنا، يدرسون في مختلف مدن الصين، القفزاتية من أجل الهروب بعيدًا عن الخطر الموصوف بالقاتل تأخذهم.
فقرروا فعل شيء ما، هو السفر أشتاتًا، لمن تيسر له الحال، وهذا بعد تأنٍّ، ولعل وعسى طويلين؛ سرهما أن قد تُرَكِّبُ سلطاتُ بلادهم لنفسها أذنًا صاغيةً، فتصنع صنيعة الأنداد، من الدول والشعوب الحرة، بالهرولة نحو النجاة بفلذات كبدها من هلاك، الأمن منه غير مضمون، إلا أن يشاء الله!
مستمدين الأملَ من تلك اللفتة الإنسانية التي قامت بها حكومة عبد الله سامبي، 2006/2011م، وهي تقرر إستجلاء مواطنيها من ليبيا عبر تركيا، عندما قام الربيع العربي وكان بطرابلس الليبية عددٌ لا بأس به من المواطنين القمريين، ووقتها كانت أصوات اللواءات الثورجية قاب قوسين أو أدنى.
لكن، طالت مدة التفكير الرسمي هذه المرة، ومن ثم تباطأت المعادلة المجهزة والمهيئة لأخذ القرار الأنسب تجاه هذه النازلة.
ففر من ساحاتها؛ الكورونا أقصد، من فر من الجالية مبكرًا، واحتجز نفسه بنفسه- ولا لوم لذي اليد القصيرة والعين البصيرة- من احتجز.
(3)
وسريعًا، وصلنا ليوم الأحد 16 من فبراير 2020م، وجد ثلاثٌ من الطلبة القمريين أنفسهم- دون سابق إتفاق أو موعد- في إحدى المطارات الصينية، وقد قطعوا من المسافات ما قطعوا، حتى يصلوا إلى هذا المكان.
والذي اعتبروه منفخًا جديدًا للروح في أجسادهم، بإعتبار أنهم سيسافرون ويلحقون بأهاليهم ووطنهم، ومتخلصين من هاجس الإصابة من القاتل اللعين؛ الكابوس.
مرتَْ الساعات، وتمتْ كافة الإجراءات حتى الصعود إلى الطائرة، وهنا- وبعد شهيق وزفير مصحوبين بالحمد والشكر لله- عادت عقارب الساعة إلى الوراء.
نادت مناديةٌ داخل الطائرة- وهي مقتربةٌ من المرددين المأثورةَ؛ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وهم القمريون- الركابُ الثلاثُة المتوجهون إلى دولة جزر القمر، قبل أن يعرفوا أنه وفقط سفر بالنية ولن يكون بالجسد!
نعتذر لكم، أحبابنا الشباب المسافرين، سيادتكم مدعوون لإستكمال بعض الإجراءات الخاصة بكم، قبل إتمام ما تبقى من لوازم الرحلة.
وذلك بعد النزول من الطائرة فضلًا وتعاونًا، أو كما قيل، فلغة الضيافة معروفة حُسنًا وإختيار مفرداتٍ وتلفظًا وتلطفًا.
ولم تطل المدة حتى أُفصحَ لهم؛ عُذرًا ثمَّ تعليمات سامية، صدرتْ من سلطات بلادكم، جزر القمر، تمنع نقلَ مواطنيها من الصين إلى موروني، عاصمة البلاد، حتى إشعارٍ آخر، وترتب على هذا التصرف أن أُعيدتْ إلى الركاب المنزلين من الطائرة حقائبُهم.
فاضت عيونُ من سُدتْ لهم السبل إلى الوقاية، وفورًا تواصلوا مع العالم الخارجي وهم يشكون حزنهم إلى الله ثم إلى الرئيس وإلى أولياء أمورهم، عبر إتصالٍ مرئي ظلوا يبثونه من المطار ذاته؛ أليس في حكومة بلادنا مسئولٌ أو والدٌ حنينٌ إلى أولاده ورشيدٌ؟
لماذا تهملوننا فنهلك أو نلقي حتفنا وقد حاولنا التعلق بحبل “الوقاية خيرٌ من العلاج”.. ألسنا مواطنين لذلك البلد؛ بلدنا جميعًا، جزر القمر يفترض؟!
(4)
بهذا النداء غضب كثيرٌ من القمريين في الشتات، ومثيلهم من الداخل، من المتفاعلين مع شبكة المعلومات الدولية، وإن تباينتْ الآراءُ بين مؤيد ومعارض، مع ضآلة في الأصوات المعارضة لحق السماح لهؤلاء بالعودة.
إلى أن وجد النداء صداه، فوقع ثقلُ الحزنِ ثقلين في النفوس؛ ثقل الحكم المتسلط الديكتاتوري المفروض على الشعب بقبضة العقيد، منذ 26 مايو عام 2016م، وهو الحكم المكمم للأفواه والمقيد للإقامات والحركات إلى جانب السكنات بإمتياز.
ثم ثقل تقديم فلذات الوطن كرابينا، تدبرها سلطاتٌ متخبطةٌ في عديد القرارات التي تتخذها في حق الشعب ومقدرات بلاده.
وفي اليوم نفسه، وعلى إثر موجات الغضب الدفين، ساق القدرُ وزير المالية في حكومة الإيمرجانس 2016/2030م، الذي يراه البعض الصندوق الأسود للنظام، معالي السيد شيخان، حتى وضعه بين فكي جيل مراهق بضواحي منطقة همهامي، وحاضرتها؛ مدينة مبيني، القريبة من بلدة “بُونِي الشاطئية” ، مسقط رأس زوجة الوزير في الوقت ذاته.
المراهقون الشباب انتهوا من يومهم المرحي الذي غالبًا ما يقضيه تحت وطئة النشوة البحرية- وغيرهم مثلهم كثيرٌَ، نظرا لطبيعة البلاد الساحلية الشيقة الممتدة والمفتوحة.
وفورًا شقوا طريقهم للعودة إلى بيوتهم، وفي الطريق تهيمن عليهم لحظات المراهقة- و المنطقة معروفة بالمحافظة على النسخة الشرق أفريقية الشافعية- فيضخون الهيصة والرقصات والأغاني الشعبية إلى أعالي جبال همهامي الساحلية ضخًّا.
حتى وجدوا أنفسهم قدرًا أمام سيارة تتجه صوبهم، في حركة تعاكسية؛ السيارة إلى “بُونِي” والشبابُ وجهتهم نحو مفترق طرقِ مدينة “مبيني” وبلدات “إتسانزيني وبامباجاني”، المسمى بمفترق “إِمْدِيْه – سِيْمَا”.
(5)
في البداية لم يكن الشباب يعرفون من يقلٌّ بالسيارة، ومع الفضول في حب الاطلاع ظهر لأحدهم وجود زوجة الوزير شيخان داخل السيارة، وهي تُلَوِّحُ آمرةً للشباب بفتح الطريق للمارة والمرور، وحالها رغبة عائمة في منعهم من لحظات السعادة بعد الانتهاء من يومية الترفيه والغوص الطويلة في المياه.
لكن يبدو أن الطريقة التي تكلم بها السيدة لم تعجب الشباب، أي اعتبروها طريقة مستفزة، فقرروا الإقتراب.
وحينذاك تبين لهم وجود الوزير معها، وهو- كما سبقت الإشارة- المعروف بلقب “الصندوق الأسود للنظام الحاكم”، إنه وزير المالية و الميزانية في حكومة العقيد!
وحتى لا أطيل على القارئ الكريم، له أن يتوقع ردة فعل مجموعة من المراهقين وجدوا أنفسهم وجهًا لوجهٍ، أمام شخصية دولة كهذه، والرجل غير مصحوب بموكب أو حرسٍ، بل أراد الاختفاء متفردا مع أسرته، بعيدًا عن الرسميات.
وكل أمله أن يستغل اليوم أجمل الاستغلال ترفيهًا وترويحًا، لولا سوء التدبير الذي سببته زوجته، بنت المنطقة، فتسبب تباعًا ردةَ فعلٍ كانت كافيةً لتحضيرِ العفاريت من أدمغة مملكة المراهقين.
ومع ردة فعل هنا، تلو الأخرى هناك، تتولد غيرها من الردات، حتى تفاعلت حصاها لتكون جبلًا في الأيام التالية.
مدنٌ وبلداتٌ تهدَّدُ وتوضع في مهبِّ ريح جماعات البلطجة، شبه المدعومة رسميّا، وكأنها تؤدي مهامًا بالوكالة، بعلم الأجهزة االرسمية.
كيف لا وبعضها قد أسسها مستشارون كبارٌ في رئاسة الجمهورية، ولغرض أعلن عنه على مرآى ومسمع من الدنيا، هو أن تبقى هذه الجماعات- المسلحة بفَانْيَا فِيْجُو أُوْوُوْنِي- لتحل محل الأجهزة الأمنية الرسمية.
وذلك تحت مسمى “إف إف يو |FFU “، وهو مختصر للتعبير الدارج “فَانْيا فِيْجُو أُوْوُنِي” ومعناه “تَحرَّكْ حركَتَكَ الفوضويةَ دون أن تدرسَها فنريك”.
وهذا الأخير عاد مفتاحًا ينير الطريق ويسهله نحو معرفة شخصية مستشار رئيس الدولة، المكلف بالنقل والمواصلات، السيد منير يسين.
هذا السياسي الذي لا يراه بعض المراقبين سوى أنه- وعن جدارة- من فئة” إنسان غابات السياسة المفترسة”، خطر لسانه لا يسلمُ منه مؤمنٌ بحق الجيرة، فما بالك بكافر.
وهو أولُ من خرج إلى الإعلام ليهدد معارضي النظام بوجود الإف إف يو، تحت إمرته الخاصة، وقد جُعلتْ مهامُها الأولية لتكون تهديدية وقتالية- قبل أن تكون فكرية أو سياسية دفاعية محدودة- محليا لصالح النظام، ومقرها بلدةُ” مُوَاجَا – هَمَهَامي”.
(6)
وهكذا، لا زالت سيرة ذلك اليوم الشيخاني-الشبابي تُنْشر بمداد الخوف من الوقوع في مواجهات شعبية، هنا وهناك، بين مواطن موالٍ لشدٍّ وآخرٍ ناصرٍ لجذبٍ، ولله من عباده السياسيين والوطنيين من أتاهم الحكمة؛ الخير الكثير.
ومع ذلك كله، لم يكسب حديث الممنوعين من العودة إلى وطنهم أي بصيص أمل، قد يعطيهم حق العمل بالتداوي بالوقاية بنفوسهم من وباء الكورونا، ليكون خيرًا من العلاج، على أية حال.
وهذا ما دفع بالشباب القادمين من الشواطئ أثناء إصطدامهم بمركبة الوزير- وحال زوجته كذلك؛ إستفزاز وإثارة غضب- إلى إستغلال الفرصة، بجمع آلاتهم الأوركسترية المراهقية، في سبيل الاحتجاج على مستواهم، ضد الحكومة التي يجد شيخان نفسه عضوًا بارزًا بحقيبته السيادية، وهي ذات الصيت.
ولصالح الاصطفاف إلى جانب دولة الحق والعدل بنصر الجاليات القمرية في الخارج؛ خاصة أولئك الموجودون المحتجزون في الصين، بقرار – يراه كثيرون غيرَ عادلٍ- صادر من حكومة بلادهم!
فهل منير يسين- ومن يقدم له الغطاء والمباركة الشبيبية المتطفلة على طبق من ذهب- زعماء عصابة سياسية في أرخبيل القمر أم أنهم مجرد مقيلدين مخطئين”غير جيدين” لبوكو حرام، طور التأسيس لها في منطقة همهامي- إمبوانكو بجزيرة القمر الكبرى؟!
جزر القمر: منير يسين والإف إف يو .. إلى أين؟
*درس الإعلام واللغة العربية في جامعة الأزهر الشريف، و باحث أكاديمي مهتم بالفكر الإسلامي

تنبيه : الآراء الواردة يتحمل كاتبها فقط مسؤوليتها