الإبرو _ فن الرسم على الماء

 الفن هو أكثر درجات الاحتفاء كثافةً بقدرة المبدع على الربط بين ما يتأمّله وما يأمّله ،فهو العمق والجمال وروح الحياة،
لذا نستلذ باللحظات التي نشُّد فيها عربات خيالنا نحو الغيوم لنصوغ منها ما يوافق رؤيتنا لها ثم نكتشف أن ثمة مبدعين في زمن ما قد حملوا تلك التي صغناها في الخيال وألبسوها واقع الرسم على الماء ليمتصها الورق ونتفاجأ بلوحات رونقها أشبه بتلك الغيوم فعلا . . . (
( الإبرو ) فن تركي يعود لعصور قديمة ، اكتشفه المسلمون في شرق آسيا بشمالي الصين منذ أكثر من ألف عام فاهتموا به ونقلوه لبلاد فارس وتركيا ثم انتشر في بقية العالم ، وقد أُستُخدم لتزيين أغلفة الكتب ولوحات الخط الإسلامي بعد أن شغف به الخطاطين المسلمين وقتذاك ومازالوا .. وبزوال الدولة العثمانية التي لقي فيها غاية الاهتمام والرواج أُهمِل طويلاً ثم عاد من جديد على يد فنانين أتراك فحظيَ بأهمية قصوى بين الفنون الإسلامية وغيرها .
أصل كلمة ( إبرو ) في الفارسية (إبر) أي الغيوم أو السحاب و(إب ~ رو) ماء الوجه … وفي التركية (إبرو ) حاجب العين أو الورق والقماش المكتنز بألوان وأشكال تشبهُه … وفي العربية يسمى (فن الرسم على الماء ) وأيضاً (فن الترخيم ) أي تحويل النمط الملون على وجه الماء إلى الورق .
هذا الفن الفتّان يحتاج بجانب الموهبة إلى الدقة والصبر وتعلُم تكنيكه باحترافية كبيرة_ فنجد أن صانع الإبرو أو ( الإبروزن ) كما يُسمى قد اهتم بالوسائل التي توصله لغايته لذا أجاد ابتكار أدواته بما يناسبه ، وهي عبارة عن _ حوض مستطيل للرسم أملس الحواف لتسهيل سحب الورقة وماء به مادة (الكيتر أو الكيترة) المستخرجة من عشبة عفان أو ما ينوب عنها كالسحلب أو بذور السفرجل وغيرها_ وتترك ممزوجة به ليوم كامل أو نصفه حتى تصبح أقرب لبياضه وتجعله ذو كثافة تمنع ذوبان الألوان والتي هي أصباغ تنتشر فيه ولا تتفكك، وتذاب في فناجين يضاف لكل منها مقدار من مرارة العجول كي لا تترسب، ثم توضع في الحوض علي وجه الماء بالقطارة أو رشها بواسطة فرشاة مصنوعة من ذيل الحصان لتشكل دوائر بالطول أو العرض أو عشوائياً بانتظار لمسات الإبروزن الذي يبدأ في تحريكها بإبرة معينة في اتجاهات مختلفة حتى يكمل لوحته ،ثم يأتي بورق شديد الامتصاص غير لامع ولا مصقول يسمى (أجار ) من خليط النُشادر وبياض البيض …توضع الورقة برويّة على سطح الماء لتمتص الشكل المرسوم تماماً ثم تُرفع بطريقة عمودية وتُترك لتجف فتنجلي المهارة العالية في إظهار الدقة وسحر الألوان النباتية الطبيعية.
والرسم حديثاً يُستخدم فيه( ورق أهارسنر تقريباً و الكيراجين بديلاً للكيترة أحياناً.
( وللإبرو عدة أشكال نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
 _ قص نماذج بآلة حادة ولصقها بصمغ خفيف في الورقة لتترك بعد انتزاعها فراغاً يحمل الصور المطلوبة ويسمى ( إبرو نجم الدين )
_ أو تكتب آية بمادة ما على الورق لاتقبل الألوان فيظهر الخط وتسمى ( يظلي إبرو) .. _و(إبرو مزهر ) يهتم برسم أزهار القرنفل والتوليب والسنابل ونباتات أخرى . والعديد من أشكال الإبرو التي لا تحتملها إلا مساحة أكبر مع تفاصيل هذا الفن الذي تتوّج بأسماء أبدعت فيه وخلّدها تاريخه مثل / محمد أفندي.. خطيب جامع آيا صوفيا_
/  صادق أفندي/ _ ونجم الدين أوك ياي ..صاحب إبرو نجم الدين / وغيرهم من الأنامل الندية التي استعارت من الغيوم رقتها وبريقها ونقاؤها اللامُتناهي لتبقى بذات التفرٌّد وأكثر .

نهى ابراهيم سالم