حسن سولي بين مأساة الأمة ومآلب الأحلام؟!

لم أكن أتصور أنه قد تبقى للشعر في زمن المادة والسرعة والظلم بريق يمكن رؤيته في زحمة الأحداث ، ولم أكن أعتقد أن أحلام الشعراء قد تبقى لها مكان في ذواتنا المنهمكة بسياط الزمن والأحداث ، حتى قدر لي أن أقرأ قصيدة / أفريقيا / للشاعر القمري الكبير حسن سولي .. التي أبكتني فعلا وغيري بلاشك وأثرت في حاضرنا ومستقبلنا بكل انتماءاتنا هالة ابداعية رهيبة !
وقد رسمها شاعرنا بذوقه القمريّ المعبرّ عن مئالب الأيام وصفقاتها بما تحمل من جمال وروعة وطن وابداع ناظر و قد يقول قائل :
كيف يمكن لقصيدة أن تضع كل شيئ تحت طاولة الرؤية بغيب الأيام ؟ كيف يستطيع قول أقرب إلى الجنون والوهم أن يكتب صفحات التاريخ الأن؟ هل من المفروض على الشاعر المكوث تحت رحمة الأشياء والكلمات التي تولدت في أرواح الأخرين ، أم أنه سيجعل روحه منبعا لشعره كما كان في أولى مراحل تشكله وفي قليل من التجارب الشعرية التي تلتها ؟
إن واقعنا فيه من زخم الأحداث وتسارعها ما يدعو الشاعر إلى التسامى عنها ورصدها والمتح منها ، والفن مهما يكون نوعه يكون صادقا فقط وفنا فقط حين يستطيع أن يعبر عن الواقع .المعايش بطريقة فنية بديعة
لقد كانت قصيدة ” أفريقيا ” تعبيرا صادقا وصادما عن الواقع المريب الذي تئن به أفريقيا بمالها في وجدان أبنائها من محبة لاتجدى إلا في سرابيل الأحاديث ومستنقعات السياسة .الناتجة عن لعنات الحكام
وإذا كانت القصيدة قد أبدعت وحملت في ميادين أفريقيا فقد حملت في ثناياها تعبيرا عن جوهر العنات التي تؤزّ مستقبل القارة السمراء القائم على وحدة الإنتماء ورفض الواقع الأفريقي المصطنع :
أفريقيا استمسكي بالعزم لا تهني … الدور دورك لن نحتاج أقوالا
سدّي الثغور بفرسان قد اشتهروا ..فالجبن قد يبطل الأحكام إبطالا
مدّي الجسور فقد جدّت عزائمنا …وحاربي واسحقي بغيا وأنذالا
إن تغمضي الطرف عاث الذئب مبتهجا …. إن تتركي العدل صار الضيم جوّالا
كم فيك من حضر كم فيك من درر……قد أهملت في الضحى والليل إهمالا؟
فقد تفنن حكام أفريقيا بالكذب و تجزيئ الأمة تحت عناوين مختلفة ، وأقطاب متنوعة ، وتاه حلم أفريقيا وراء استبداد حامليه ، وبقي المواطن الأفريقي يحمله جرحا ..وهما .. قصيدة تتوقف عن السيلان أيام الإستعمار إلى أيام عملاء الإستعمار فما ذا تبقى من الحلم وقد نامت الشعوب وتاهت الأفكار واجدبت العزائم ؟
بالفرقة ارتحلت جلّ العقول إلى …. غرب فصارت بيوت فيك أطلالا
إن عدّت الفلوات الواسعات لنا ….. فالخصب جنب الرمال اجتاز أميالا
الفقر من قلة الجهد استبدّ بنا …… والجهل مرتعه فاستفهمي الحاله
كم من أراض تباهت من خصوبتها ….لكنها أنتجت بالظلم أنكالا
ماذا لقيت من المستعمرين وما ….. ذاخلفوا؟ خلفوا علما وأثقالا
علما يزيد حصادهم فما سئموا …… أخذا ودسّوا وراء الأخذ أغلالا
نام الرعاة فقامت تعتني الأسد ….. خيرا اعتناء فأمسى الوضع إشكالا
ندري إذا قسم الضرغام أنصبة …. بين العجول والمكيال إن كالا
لا تعجبي إن تودّدت ثعالبنا ………بين الزئير تضلّ الأسد اضلالا
والذئب يفعل ما يحلو له جذلا … يعوي عواء إذا ماجاع أوصالا
كما جاءنا السوء من أبناء جلدتنا ! …. قد خلّف الأسد في الغابات أشبالا
إنّ التحيّز قد يردي قبائلنا …ويشعل الحرب بين الناس اشعالا
فقد العزائم في الحكام يهلكنا ……كم أوصل الضعف والخذلان إيصالا ؟!
لذا كان الرد هو رفض واقع التفتيت الذي جعل الأمة نكراء في واقع التجاذب :
أفريقيا استمسكي بالعزم لا تهني …….. الدور دورك لن نحتاج أقوالا
سدّ الثغور ……………………………الخ
وإذا كان الشعر قديما هو ديوان الأمم وسجل أيامهم ، ديوان علمهم ومنتهى حكمهم ، واعتبر الشعراء فيقومهم بمنزلة الحكام ، يقولون فيرضى قولهم ، ويحكمون فيمضى حكمهم ، أمثال أرسطو و شيكسبير وامرئ القيس و ابن كلثوم والنابغة.. ، وغدا فيما بعد سيفا مسلولا ضد الأعداء والحائرين ، فقد حافظ خلال زمن الحروب على قيمة الأمة الوجودية التي تنكر لها السياسيون واستراتيجيو اللحظة العرضية وبقى الشاعر مؤمنا وحالما بأمة غابت عن خريطة الأماكن ووبقيت حية في الوجدان
لأن الشعر هو تعبير عن المكبوت بقدر ماهو ضمير الأمة المشترك ، وكما قال تروتسكي : يجب أن توفر لكل إنسان نصيبه من الخبز ونصيبه من الشعر :
يا من تعظمها وترحمها …..إني أجلّك بين الخلق إجلالا
ياتربة سمرت يازهرة نضرت …. نضارة العيش حيثما الندى مالا
أنت المنى والمنى دوما تؤرّقني …فيرسل السهد مايحويه إرسالا
العدل في الحكم خير يستجار به ….. والظلم في الحكم شرّ ضرّ أجيالا
إن الظلام بضوء الشمس ينقشع ….. قد حدّد الله للظلماء آجالا
سيشرق الصبح من تكرار صرختنا …لابد من فاحص يبدي لنا الحاله
للعدل حسم سليم القلب يعرفه ……. حسم يزيل من الأفعال إمهالا
إن العزائم بالأفعال تنتصر ….. والفعل في الوعد يحي فيك آمالا
أمدنا الله خيرات سيسألنا …. يوم الحساب يكون العدل صوّالا
قوّي لي الحب إنشاد الحنين كما ……. قوّي النشيد لدى الأوطان أبطالا
وإذا كانت لعنة الإستعمار قد أنتجت ظاهرة مانديلا وأمثاله وأترابه من المناضلين والفنانين والأدباء المثقفين شغلتهم السياسة والإيديولوجيات الثورية والقومية والنضال والإشتراكية ، فإن زمن حكام الإستعمار قد جعل الشعر ينقلنا من زمن الذاتية والأحلام الخاصة إلى رحابة الوطن والآلام المشتركة ، لكن في الحالة الأفريقية ، منذ الولادة بقدر ما نحن نعيش مأساة الوطن وأحلامه وأمانيه التي يعبر عنه كمصير مشترك بين أبنائه وأفريقيا مغناة :
أفريقيا استيقظي واستبشيري حالا …… إنّا رفضنا نزاعات وإذلالا !
_____________________
هذا المقال الأديب والشاعر شمس الدين سيد علي الديبواني في ٤ يونيو ٢٠١٣