القراءة السياسية لرسالة الأستاذ أحمد عبدالله محمد سامبي إلى الإمام الريِّس غزالي

يجيئ أوقات يستحيي فيها المرء أن يرى نفسه في المرآة ، ولا يحبذ حتى أن يسرد له ذكريات الأمس الجميلة التي يحلم بها كل إنسان ، ليس ذلك بسبب مرض نفسي أو تشوهات أخلاقية من خالق الأرض و السموات ، إنما بسبب أعراض نفسية أنانية ، يختلقها الإنسان بمحض إرادته ،
 تلك الصورة الحقيقية للوضع المأساوي الذي يخبئها الإمام غزالي عثمان في وجه صديقه بالأمس وعدوه الحالي اللدود ، الأستاذ أحمد عبد الله محمد سامبي وأمام الرأي العام المحلي على حد السواء، بسبب ازدراءه للمعايير الإنسانية و الأخلاقية ،
حالة استياء شديدة ومخزية تشهدها الساحة السياسية في أرخبيل جزر العطور المعروفة بجمهورية القمر المتحدة بسبب الكبت السياسي وما يصحبه من تحديات ،
هذا البلد الطيب الذي شهد في الآونة الأخيرة استقرارا نسبيا بعد موجة من الانقلابات ، تلاها دعوات انفصالية مرورا بتفاهمات الجنرالات لتقسيم الغنائم لتستقر الأمور بعد التدخل العسكري المباشر الذي تزعمه مجموعة من الدول الصديقة بمعاونة الاتحاد الأفريقي وبمجهودات دبلوماسية فردية للأستاذ أحمد عبدالله محمد سامبي لوضع حد الانفصال الذي شهدته جزيرة أنجوان بقيادة الكولونيل محمد بكار ،
 تاريخ أسود حافل بالتناقضات خيم على المسار السياسي لتلك الجزر المهجورة أصلًا من قبل أبنائها بسبب البطش الشديد الذي يمارسه من هم على مقاليد السلطة الحالية ،
غير أن تأزم الوضع المأساوي الذي تشهده الساحة السياسية الحالية وتوقيتها بالذات ، لمبعث للقلق ليس للداخل فقط وإنما لشركاء هذه الدولة الفتية في الخارج أيضًا ،
وحتى الذين يمولون مخططات السلطة لا يزالون في حيرة من أمرهم حيال مستقبل مشروع ٢٠٣٠ للإمام غزالي بالرغم من المليارات التي أنفقت وما زالت تصرف حتى الآن لتأمين المشروع ،
حيث قرر بالفعل الرئيس الغزالي وطاقمه السياسي الدخول في مواجهة عنيفة مع الشعب القمري في الداخل والخارج وذلك بوضع سدادة في الأذن في وجه الدعوات المطالبة بعودة الشرعية وإطلاق سراح المعتقلين دون وجه حق وتقليم أظافر الدولة البوليسية التي تروع الناس في الشوارع وداخل بيوت الأهالي  و إعادة الهدوء في جميع ربوع أرخبيل القمر
 غير أنه على ما يبدو أن أصحاب النفوذ في قصر بيت السلام اقتنعوا بالدرع الوهمي الذي وعد به قصر الإليزي خلال اجتماع باريس الأخير ، والبذل السخي الذي تنفقه مجموعة من الدول الصديقة التي وافقت بتمويل مشروع ٢٠٣٠
فوفقا لتقييمات بعض من المحللين السياسيين فإن حكومة بيت السلام مازالت واهمة، حتى الآن، بأن الوضع تحت السيطرة التامة وذلك بفضل ما حققته أزمة كرونا من تشريد الاحتجاجات في الخارج والداخل
فقد ساهمت كرونا بالفعل بمد يد العون والمساعدة للحكومة في بسط سيطرتها على الميادين العامة وفرض حظر التجوال الليلي في الداخل وإغلاق أدوار العبادة ، مع تشديد القبضة الحديدية على من تبقى من معارضين في الداخل ، مما جعل الرئيس الأسبق أحمد عبد الله محمد سامبي يفيق من نومه العميق بخطاب شديد اللهجة إلى رفيق دربه ليضع النقاط فوق الحروف حول التكهنات بإمكانية إطلاق سراح المذكور من محبسه
 الرئيس أحمد عبد الله محمد سامبي بهذه الرسالة تبرز اقتناعه بالفعل أن ليست هنالك نية لدى الإمام غزالي وحاشيته في التفكير بمسألة محاكمته فهم يعلمون علم اليقين أن هذا المسار سيدخل الكثير من موالين للإمام غزالي في قفص الاتهام في حال حدوث محاكمة حقيقية مما سيسبب بانهيار إمبرطورية الإمام ونزوح كثير من طاقمه السياسي إلى خارج البلاد بما فيهم وزراء كبار خوفا من ملاحقة قانونية ،
فحوى الرسالة أيضًا تبرز اقتناع أحمد عبد الله محمد سامبي أن ليس لدى بيت السلام خطة بعد مرور سنتين من الحبس الاحتياطي وتدهور الحالة الصحية للمذكور أن يضعوا حدا للمعاناة التي يعاني بها الرئيس سامبي بإطلاق سراحه حتى ولو بنفيه خارج البلاد خاصة في الأوقات الراهنة التي تشهد فيها الدعوات لإعادة تفعيل الدستور الخاصة بتناوب الفترات الرئاسية بين الجزر ومحاولة الحكومة من جانبها افتعال المسرحيات لزج قدر ممكن من المعارضين في السجون كمسار استراتيجي في كبح جماح المعارضة ،
فهي مازالت تفتعل السيناريوهات وخلق مبررات استعمال القوة بتلفيق الاتهامات بمحاولات تغيير نظام الحكم بقوة السلاح ، لتحل مكينة الكذب والخداع محل الكرم والوفاء ،
و يجدر بالإشارة أنه يندر في عالمنا اليوم إذا لم يكن من المستحيل أن يكون هنالك رئيس سابق حر طليق يعيش بلا حراسة ولا خوف ولا ملاحقة قضائية غير جزر القمر زمن كان هنالك المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات ،
من هنا كانت الرسالة الأخيرة بمثابة إنذار أخير مفاده أنه آن الأوان لترتيب أوراق اللعبة فللصبر حدود وأن أستاذ أحمد عبدالله قد عانى بما فيه الكفاية ، و بالتالي فإن على الإمام غزالي وإدارته أن يتهيؤوا لجميع الاحتمالات ،
الرئيس سامبي عبر في كثير من المناسبات أن ليس لديه النية لإشعال الاضطرابات التي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الذي حظيت به البلاد مؤخرا ، غير أنه بقراءة سياسية للخطاب الأخير يلاحظ أن صبر الأستاذ سامبي بدأ يترنح و يرضخ لجناح الأغلبية الذين يرون أن الإمام غزالي وحاشيته لن يفهموا الا لغة القوة ،
و بالتالي ، فليس هنالك من سبيل إلا لسيناريو واحد ، وهو أن يعلن أستاذ أحمد عبدالله محمد سامبي بكل صراحة وبرسالة رسمية موجهة للمتضامنين معه وللمدافعين عن الحرية ودولة القانون ولحزبه أن الوقت قد حان لاسترداد دولة المؤسسات بفتح الطريق نحو احتجاجات رسمية سلمية باتجاه قصر بيت السلام، إعلانا بعودة دولة القانون والمؤسسات ، إذ إن إمام  لا يملك سجونا كافية لزج مزيد من المواطنين في الوقت الراهن ، كما أنه لا يملك الشجاعة اللازمة لمواجهة المئات بالبنادق ،
 حينها ، يكون قد حسم الأمر بعودة الكولونيل مرة أخرى إلى السفارة الفرنسية وعودة الدولة بمؤسساتها على عهدها الطبيعي ليعم الأمن والأمان على جميع ربوع الوطن .
والله غالب

كل الآراء الواردة في المقال يتحمل فقط الكاتب مسؤوليتها