النحو حلية المرء وزينة لكلامه

لعلم النحو أبهة عظيمة في العلوم  و الفنون ، و مَن تحلى بعلم النحو احتلى كلامه ، ورق لفظه ، و عذب معناه ، و ما من عالم  يتكلم في علم ، أو في فن من الفنون معرضًا عن هذا العلم الجليل إلا كان حديثه مرغوبا عنه في النفوس و لو كان ما يتكلم به أمرًا عظيما ؛ ذلك لأن علم النحو هو الذي لا يستغني عنه علم  و يشمل جميع المجالات ، فـمن الممكن أن تكون صحفيًّا و لا تدرك مسائل البلاغة ، أو تكون طبيبا و لا تعرف الأدب و دواوينه ، لكن من المستحيل أن تجهل النحو ، لأنه مرتبط بأهم جزء من عملك ، بل و في حياتك ، و هو الكلام ، فـمتى وُجد الكلام كان النحو.  أخبرني : كيف يفهمك المخاطب – مثلا – إذا قلت : صفع علي  بكر ، و أسكنتَ أواخر الكلم و لم تُجرِ علامة الإعراب في الأواخر ، فـمَن صفع الآخر ؟  و مثال هذا في التاريخ كثير ، يُروى أن أحدًا من الخوارج – هم فرقة من الفرق الإسلامية المتقدمة – قال لأبي عمرو بن العلاء – أحد القراء السبعة – أنت تقرأ قوله – تعالى – ( و كلم اللهُ موسى تكليما ) برفع لفظ الجلالة ، و أنا أقرأه بفتح لفظ الجلالة ، أي : و كلم اللهَ موسى ، ليكون موسى هو من كلم الله و ليس الله هو من كلم موسى ، لأن مذهبهم يقضي على أن الله لا يتكلم و إنما يخلق الكلام .
انظر إلى التغيير البسيط الذي طرأ على الكلمة كيف غيَّر المعنى ، و كيف قلَّب الحق و صيَّره باطلا ، فما كان من أبي عمرو إلا أن يرده على وجه اللغة بما هو أعلى و أقوى من هذا لن يستطيع أن يدفعه ، فقال له : و كيف تصنع لقول الله ( و لما جاء موسى لميقاتنا و كلمه ربُّه  / الأعراف)  فـهنا ، لا يستطيع أن يرد عليه و لا أن يتفوه بكلمة ؛ لأن جناب اللغة يلزمه أن يأخذ به ، و ما من شيء صنع ذلك إلا الدليل النحوي ، فـبُهت ذلك الخارجي.
من هنا أنطلق لأنبهك بقاعدة نحوية جليلة  تلتبس على كثير من الناس ، و عند بعضهم تُعد عويصة ، و هي اسم التفضيل ، فـأحوال اسم التفضيل ثلاثة :
الأول : أن يكون مجردًا من ” أل ”  خاليًا من الإضافة ، فـتأتي بعده ” من ” الجارة ، كـقوله – تعالى – ( فقال لصاحبه و هو يحاوره أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا / الكهف) و قوله ( و كم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا و رءيا / مريم)  فإذا أضيف اسم التفضيل فـهو على حالين  :
الأول : أن يضاف إلى نكرة فلا يُطابَق – و معنى مطابقة اسم التفضيل أن يطابِق المفضول في الإفراد و التثنية و الجمع و التأنيث – فـهنا تقول : عمرو أحسنُ رجلٍ  – المحمدان أحسنُ رجلين – القمريون أحسنُ رجالٍ  – عائشة أفضل امرأةٍ – الهندان أفضل امرأتين – الفاطمات أفضل نساءٍ ، و من ذلك قوله – تعالى – ( لقد خلقنا الإنسان في أحسنِ تقويم / التين)  .
الثاني : أن يضاف إلى معرفة ، فـتجوز المطابقة ، تقول : مصطفى أفضل الرجل – المصطفيان أفضل الرجلين ، و يجوز : المصطفيان أفضلا الرجلين – المحمدون أفضلُ الرجال ، و يجوز : العامرون أفضلو الرجال – هند أفضل النساء ، و يجوز أن تقول : هند فضلى النساء ، و تقول : الهندان أفضل النساء ، و يجوز : الهندان فضليا النساء ، و الهندات أفضل النساء ، ويجوز : الهندات فضليات النساء ، و التمس ذلك في القرآن ، كقوله – جلت قدرته – ( و لتجدنهم أحرص الناس علي حياة / البقرة ) و قوله ( هم أراذلنا بادي الرأي / هود)  و قوله ( أكابر مجرميها / الأنعام )  قال العلماء إن ترك المطابقة في مثل هذه أحسن ، و لكنني أميل إلى قول ابن خالويه – رحمه الله – حيث قال : إن اللغة التي جاءت في القرآن هي أفصح مما لم يأت ، فـطالما أن المطابقة جاءت في كلام رب العالمين فلا تفاضل بين الاستعمالين ، و كلاهما رفيع حسن.
الثالث : أن يكون اسم التفضيل مقرونا بـ ” أل ” فإذا اقترن بأل طابق المفضول في الإفراد و التثنية و الجمع و كذلك في التذكير و التأنيث ، نحو قولك : زيد الأفضل – المحمدان الأفضلان ،  أنتم – أيها القمريون – الأكرمون ، و الأفضلون ، و في التأنيث تقول : هند الفضلى – الهندان الفضليان – الهندات الفضليات ، فـتجب المطابقة .
تنبيه  :
رأيت أنه لم يُؤت بـ ” من ” الجارة بعد اسم التفضيل المقرون بأل ، فلا تقل : محمد الأفضل من عمر ، و ذلك ؛ لأنه كلما وُجدت ” أل ” لم تجمع معها ” من ” فكأن ” أل ” عوض عن ” من ” فلا يجتمعان حال وجود إحداهما .
فهذا باب دقيق يخفى علي كثير من الناس ، بل حتى بعض المتشاغلين بتلقي علم النحو قد يخفى عليه هذا ، فـكن على بصيرة من أمرك ، أيها اللبيب الكريم  !

 

عفيف إسماعيل يوسف