دقائق التأنيث في الاستعمال العربي

بسم الله و به أستعين
يقول أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري – عالم لغوي فذ ، ذو التواليف الحسان رحمه الله – : اعلم أن من تمام معرفة النحو و الإعراب معرفةَ المذكر و المؤنث ؛ لأن من ذكَّر مؤنثا ، أو أنَّث مذكَّرا كان العيب لازما له كلزومه مَن نصب مرفوعا أو خفض منصوبا.
و لا غرو أن يكون العيب فاحشا على من يؤنث مذكرا أو يذكر مؤنثا ، و لذلك يجب علي دارس العربية أن يلمَّ مواطن التأنيث و التذكير ، لا سيما أنهما جنسان متلازمان لا انفكاك بينهما .
قد أومأتُ في مقال سابق إلى وجود صفات في لغتنا العربية الشريفة ورد استعمالها عن العرب مستويا فيها المذكر و المؤنث ، و قلت لك : سأفرد لها حديثا خاصا ، و قد آن الأوان لوفاء العقد الذي أبرمتُه معكم ، و لكنني أود أن أنبهك قبل ورود منهلنا بوجود صفات هي خاصة للمؤنث دون اشتراك المذكر فيها ، فالتأنيث في مثل هاته الكلم عزيز جدا ، و معناه ماتع و دقيق ، و إليك المورد  :
إذا كانت الكلمة لا يوصف بها إلا المرأة ، فإن الأكثر أن تسقط علامة التأنيث ، و لا تُجلب لها العلامة إلا لمعنى ، فـخلو الكلمة من التأنيث لها معنى غير المعنى الذي يكون بعد إلحاقها بالتأنيث ، و أضرب لك مثلا بـالكلمات التالية : حامل – طاهر – حائض – عاطل – مرضع ، فهذه الكلم صفات معانيها سجية لدى المرأة ، و لا اشتراك للرجل فيها ، فإذا كانت المرأة حبلى فهي حامل ، أي : حامل جنينها في بطنها ، و لا تقل : حاملة ؛ لأن الرجل لا يحبل كالمرأة ، متى تقول : حاملة ؟ جـ : إذا كانت تحمل شيئا على عاتقها أو فوق رأسها مما يجوز أن يشترك الرجل في حمله ، و ذلك قولك : هاته المرأة حاملة حزمة حطب فوق رأسها ، أما الطاهر ، فإنك تقول : امرأة طاهر ، إذا كنت تعني أنها طاهر من الحيض ، و هذا وصف خاص للمرأة ، و إن عنيتَ أنها طاهرة من الخبث و الدنس الخارجي قلتَ : هي طاهرة من العيوب ؛ لأن الرجل مشترك معها في هذا المعنى ، تقول : رجل طاهر من الدنس ، و أما حائض ، فلا اشتراك للرجل فيها ، و لكنك إذا أنثتَ هذه اللفظة فإنما تريد معنى الحال ، و ذلك قولك : هي حائضة الليلة ، أو حائضة اليوم ، إذا كانت هي حائضا حال تلفظك أو أوشكت على الحيض.
و أما ” عاطل ” فإنك تقول : امرأة عاطل عن الزينة ، هذا المعنى لا دخل للرجل فيه ، و لهذا لم تؤنث اللفظة ، و إن عنيتَ أنها عاطلة عن العمل فيجب أن تؤنث ؛ لأن الرجل مشترك في المعنى لتفرق بين الجنسين ، و أما ” مرضع ” فهي صفة اختص بها المرأة ، تقول : هذي مرضع فلان ، كما يقال : إن حليمة السعدية مرضع الرسول – صلى الله عليه و سلم – فإثباتك علامة التأنيث للفظة يعطيها معنى زائدا ؛ و ذلك كقوله – تعالى – ( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت و تضع كل ذات حمل حملها / الحج) فالهاء التي في ” مرضعة ” دلت على أن هذه المرأة حديث الولادة و أن ولدها ما زال في المهد، و هذا يدل على حرص الوالدة على ولدها ، و أنها تفدي به روحها مهما حدث ، و لكن أهوال يوم القيامة تنسيها ولدها في حال التقم الطفل ثدي أمه ، لشدة تلك الأمور العظام التي ستحدث ، و هذا المعنى لن تجده إذا سقطت علامة التأنيث .
و الآن – أيها القارئ الفطن – أرعني سمعك ، و كن يقظًا معي و تدبر ما ألقيه عليك  !
تيكم الصفات التي حدثتُكموها أنها في المذكر و المؤنث سواء ، فـهذا موضعها ، و ذا حديثها ، هي على أوزان معدودة ، فاحفظها يكن لك ذخرًا ، و معلمًا في بيداء العرب ، ومرشدًا في مفازتك ، فالوزن الأول :
1 – أن تكون الصفة على ” فعول ” و لكنَّ معناها إذا أوَّلتَها يأتي على وزن ” فاعل ” ، نحو : صبور – شكور ، فإن معنيهما ( صابر و شاكر)  فهنا تقول : رجل صبور و شكور ، و امرأة صبور و شكور ، و لا تأتي بعلامة التأنيث ، ومن ذلك ” حنون” ، تقول : رجل حنون و امرأة حنون ، و ثمَّةُ صفات على هذا الوزن ورد بالاستعمالين ، فمن ذلك : عجوز ، أكثر العرب – كما قال الأنباري – يجردونها من علامة التأنيث ، و هو الوارد في القرآن الكريم ، قال – تعالى – ( و امرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب ، قالت يا ويلتى أءلد و أنا عجوز و هذا بعلي شيخا / هود)  و قوله ( فصكت وجهها و قالت عجوز عقيم / الذاريات)  و بعض العلماء كالسِّجستاني يروي أن العرب لا تقول : عجوزة بالهاء ، و قال الأنباري : أدخلوا الهاء على جهة الاستيثاق ، و الأكثر في كلامهم ” عجوز ” بغير هاء ، و هذا هو المحكي عن الفراء أنه سمع يونس النحوي قال : سمعت العرب تقول : فرسة و عجوزة.
فإذا كان ” فعول ” بمعنى ” مفعول ” فإنه يجوز إثبات الهاء و الأكثر تركها ، فتقول في : حلوب – ركوب – جزور ، بقرة حلوب و حلوبة – ناقة ركوب و ركوبة – و كذلك جزور و جزورة.
 2 – مفعال ، نحو : مهذار و منحار ، تقول : رجل مهذار و امرأة مهذار على السواء.
 3 – مِفعيل – بكسر الميم – كـ : مِعطير – منطيق  ، نحو : هذا رجل منطيق و امرأة منطيق ، و هذه فتاة معطير ، و ذلك إذا كان من ديدنها العطر ، و شذ عن هذا القياس قولهم : مسكينة حملوها على فقيرة.
 4 –  مِفعل – بكسر الميم و فتح العين – نحو : مِغشَم ، فهو رجل مغشم و هي امرأة مغشم.
 5 – فعيل ، إذا كان بمعني ” مفعول ” و عُلم موصوفه ، نحو : جريح – و قتيل ، نحو : امرأة قتيل و جريح و رجل قتيل و جريح ، بمعنى مقتولة و مجروحة ، مررت بقتيل من النساء ، و هذه قتيل بني فلان ، هذا إذا عُلم الموصوف ، فإن لم يعلم الموصوف بأن استعمل استعمال الأسماء لحقتها الهاء خوف اللبس نحو : عندي ذبيحة ،و رأيت ذبيحة ، و مررت بقتيلة بني فلان.
و من آي القرآن العظيم جاءت علي النمط الأول قوله – سبحانه – ( قال من يحيي العظيم و هي رميم / يس)  فقد حُمل ” فعيل ” في الآية على ” مفعول ” فـجرد من التاء ، و هو فعيل بمعني فاعل ، و منه قوله ( إن رحمة الله قريب من المحسنين / الأعراف)  فإذا كان فعيل بمعنى ” فاعل ” لحقتها التاء الفارقة ، نحو : رحيم و رحيمة ، كريم و كريمة.
6 –  فَعال – بفتح الفاء – نحو : امرأة حَصان ، و امرأة جَبان .
قد يسأل السائل ، كيف لي أن أستوعب تلك الألفاظ ؟ أقول لك : إن سبيل ذلك في ممارستك قراءة الكتب الصرفية و النحوية و اللغوية عامة ، و أن تحفظ القواعد تلك التي رسمتها لك علماء اللغة ، و أن تديم النظر في المعاجم العربية لتكشف كنوزها ، و مما يثري و يعزز مهارتك اللغوية كثرة مطالعة الأدب ، شعرا كان أو نثرا.
فـهاته الأوزان التي حدثتك عنها قبلًا ، فكن على دراية بها تفز ، زادك الله حرصا على اقتناص مجاري الحِكَم ، و تتبع مفاتن الفصحى  !

 

عفيف إسماعيل يوسف 

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها – جامعة الأزهر