تفضيل العربية على سائر اللغات ليس تعصبا و لا نزعة عنصرية من العلماء

لمَّا ذهبت العلماء إلى تفضيل العربية على سائر  لغات البشر لم يكن ذلك بدافع عنصري كما يتخيله بعض الناس .
 إن العربية التي نزل بها القرآن الكريم ، و أعجز البشرية قاطبة بفصاحته و بلاغته جديرة على استحقاق هذه الرتبة العليا ، و هذا لا يقوله علماء العرب فقط ؛ لأننا لم نعلم عالما مستعربا من قديم الزمان و من العهد الحديث ، أتقن فنون كلام العرب ، و عرف مجاري أساليبهم إلا مال بطبعه إلى العربية و فَضَّلها على غيرها ، و الدليل على ذلك سيبويه الذي ألِّف أعظم كتاب في العربية لدراسة الأسلوب العربي ، و البحث في قواعدها ، و هو فارسي و كان يعرف الفارسية ، إلا أنه – دائما – كان يجد بيانه في العربية ، و كان يرى أن في العربية مندوحة أوسع للتعبير عن مكنون صدره ، و التصرف في الكلام من الفارسية التي هي لغته الأم ، و من هؤلاء عبد القاهر الجرجاني ، الذي تغنى بالمعاني العربية و بالتصرف العربي في الكلام ، و لم يخطر بباله أن ثَمَّ لسانا أفصح في العالم من العربية ، و هذا عين الحقيقة ؛ لأننا لا نعلم أن الله – تبارك و تعالى – أنزل كتابا من قبل و جعل أسلوبَه معجزا إلا القرآن ، و هذا يدلك على ما في العربية من بلاغة و تصرف كلاميِّ ، و من أجل هذا قامت دراسات عدة لمدارسة النظم العربي ، و استظهار مخبآت معانيها ، فـصنَّف العلماء المصنفات في شتى المجالات ، و تناثرت أحكامهم في فنون عدة ، و مما تمتاز به العربية من غيرها ، حرية استعمال الضمائر ما يسمى في العلوم البلاغية بـ ” الالتفات ” و هو يبدو شأنا عربيا خالصا ؛ لأن العرب كانوا أمة يراعون مواطن التخاطب التي تجذب المستمع ، و يميل إليه فلبه ، فكانوا حريصين عليها ، فتفطنوا لمغزى الحديث أنه إذا كان على شَرجٍ واحد قد يمل منه المتلقي و ينفر منه السامع، فكانوا يتلونون في خطاباتهم ، تراه يبدأ حديثه بالتكلم و ينتهي به بالغيبة أو التخاطب ، و من أمثلة ذلك مما جاء في الكتاب العزيز قوله- تعالى  ( حتى إذا كنتم في الفلك و جرين بهم بريح طيبة / يونس )  هل رأيت كيف انتقل من أسلوب الخطاب إلى الغيبة و لم يُمض كلامَه على شرج واحد ؟ !
و قد يعدلون عن الجمع إلى الإفراد ، بمعنى : أن يذكر في بداية كلامه مجموعة أشياء ثم يختتم في نهاية حديثه بضمير المفرد ، أي : بواحد من تلك الأشياء التي ذكرها ، و من ذلك يقول الله – تقدست أسماؤه – ( و جعلنا فيها جنات من نخيل و أعناب و فجرنا فيها من العيون ، ليأكلوا من ثمره / يس ) فقد ذكر الجنات من النخيل و الأعناب و تفجير العيون ، ثم أعاد الذكر ” الضمير ” مفردا مذكرا و هو في قوله :” ليأكلوا من ثمره ” و لم يقل : من ثمرها ، و من أساليبهم لماتع أن يُذكر الاثنان ثم يقتصر على ذكر خبر أحدهما دون الآخر ، كقوله – تعالى – ( و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله / التوبة ) فقد اكتفى بذكر خبر الفضة و لم يذكر خبر الذهب ، و من هذا أيضا قوله ( و الله و رسوله أحق أن يرضوه / التوبة ) أعاد الذكر مفردا  رغم أن المذكورين هما اثنان .
قال الصحابي الجليل حسان بن ثابت – رضي الله عنه – : إن شرخ الشباب و الشعر الأسود لم يعاص كان جنونا .
فلم يقل : يعاصيا و كانا ، و إنما اكتفى بذكر خبر أحد المذكورين .
و على هذا المنهج الذي ذكرته لك فإنهم قد يضعون الماضي موضع المضارع كما قال الشاعر :
إن يسمعوا ريبة طاروا بها  فرحا ::: مني و ما يسمعوا من صالح دفنوا
فقد وضع ” طاروا ” موضع يطيروا  ، و ” دفنوا ” موضع يدفنوا  ،و قد يعكسون ، و هذا الموضع خاصة كان فيه عناية البلاغيين و مرتكز اهتمامهم  ، فما من أسلوب من هذه الأساليب إلا و وراءها  سر بلاغي كامن ، فحاولوا معرفة تلكم الأسرار فكانت العلوم  البلاغية .
لن ينقضي عجبك بالعربية مهما توغرت فيها ، لأنها كالبحر كلما استزدت منه ، و أكثرت من الشرب منه زاد عطشك أكثر ، و اشتدت حاجتك للشرب أكثر ، فاللهَ أسأل أن يفتق عقولنا من كوامن أسرار هذا اللسان العظيم ، و أن يُبصرنا شرائع تعبير أهله ، الذين كانوا هم أهله بالحق .

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر