الطريق إلى الثروة اللغوية و تكوين الملكة الكلامية

هذه الكلمات التي أود أن أَنقُشَها لك على هذه الورقة الفريدة ، مُنصبَّة على الطلبة الناشئين في العربية ، الناطقين بغيرها ، أُشخِّص لك – أيها القارئ الفَذُّ – بعضَ مشكلاتٍ مررتُ بها ، و مَرَّ بها غيري ، و يمر بها كثير من الطلبة الوافدِين إلى ديار العرب لتعلُّم العربية ، أو يتلقَّون العربية في بلادهم ، أو في بلادٍ غير منتمية للعرب و العربية الشريفة ، و هي :
أنَّك تجد الطالب – غالبًا – قليلَ الثروةِ في المفردات اللغوية ، قصيرَ الباع في اشتقاق الكلمات ، غيرَ مُحسن استخدام العبارات ، نَضُبَت محاسنُ التعبير لديه ، لدرجة أنه لو أراد استنطاق مضمون حال قلبه لا يواتيه الكلام ، مثلُ هذا العجز ملموسٌ عند الكثيرين ، بل إنه الوباء الساري على أكثر المستعربين الناشئين في أيامنا ، و المؤسف في الأمر أن أكثر الطلبة لا يسعون إلى الاستدراك على أنفسهم ، و على إنقاذها من مثل هذه الأوبئة الفَتَّاكة ، و هذا أمر يندى له الجبين  !
س / فما الذي يَزجُّنا ، أو يزجُّ هؤلاء الناشئين و الطالبين العربيةَ ، الذين دَبَّت في أنفسهم روحُ التعلم و التحدث بهذا اللسان العظيم ، ما الذي يجرهم إلى هذا المستنقع ؟
جـ / يعتري النقصُ أكثر الدارسين ؛ لأنَّا في بداية رحلتنا ، و من نقطة الصفر التي نستأنف امتطاء قافلة الراكبين نحو العربية نميل عن الطريق الجادة ، فالدارس الناشئ ، الذي يتصيَّد حصيلتَه اللغوية ممَّا يسمعه من الناس ، و هو بعيدٌ كلَّ البعد عن مواطن اكتساب البضاعة الحقيقية للغة – أعني المعاجم – لهو حقيق أن يَعيَ بالتعبير عن شيء مما يختلج في نفسه ، ليُخرجه من موت صُماته إلى دنيا إبانته ، و قد ندَّب النبهاء في العربية – كثيرًا – إلى ضرورة العكوف و الانكباب على المعاجم اللغوية منذ نعومة الأظفار في تعلم العربية ، أذكر لك هنا – على سبيل الاحتذاء و الاقتداء – ما قيل عن العلامة محمود بن محمد بن شاكر ، شيخ العربية في أيامه أنه أنهى قراءةَ معجم ” لسان العرب ” كاملًا و هو طالب دون المرحلة الجامعية.
أحاول هنا أن أعزِّز الثقة لديك في أن تحرَص على التمسك بعلم التصريف ، الذي هو مفتاحك للولوج في بحر المعاجم العربية ؛ ليَسهُل عليك كشفُ ثروته المُخبَّئة تحت ظلال أفنان المكتبات و السِّجلَّات ، و من المعاجم التي ينبغي للناشئ أن يُعنى بها ” أساس البلاغة ” للعلامة التعلامة الزمخشري ، صاحب الكشاف في التفسير ، و ” مقاييس اللغة ” لابن فارس ، و ” المصباح المنير ” للفيومي ، حتى إذا استفحلت قوتُه ، و اشتدَّت شوكته ارتقى إلى غيرها كـ ” تهذيب اللغة ” للأزهري ، و ” تاج اللغة و صحاح العربية ” للجوهري ، و ” القاموس المحيط ” للفيروز آبادي ، و ” لسان العرب ” لابن منظور ، و غيرها من أمهات المعاجم العربية.
قد حاول الصرفيون أن يمهِّدوا لك الطريق حين بحثوا في مؤلفاتهم عن المسائل ذات صلة ، و ارتباط وثيق بالمعاجم ؛ لأن الغوص في المعاجم مبنيٌّ على أربع قوائم :
الأولى : تجريد الكلمة التي تريد الوصول إليها من الزوائد ، و هذا باب قائم في التصريف كامل الاستواء ، يشمل نوعَي الكلمة ( الاسم – الفعل)  فـكلُّ واحد منهما فيه المجرد و المزيد.
الثانية : رد المحذوف من الكلمة كما في : عدة – صفة – زنة ، إذا أردت البحث عنها.
الثالثة : رد الحرف المبدل إلى أصله كما في : قال – نام – صام ، فإن الألفات في هذه الكلمات مبدلة من الواو ؛ إذ الأصل فيها : قوَل – نوَم – صوَم بدليل المصدر : القول – النوم – الصوم .
الرابعة : رد الحرف المقلوب قلبا مكانيًّا إلى مكانه كـ : أيس – اكرَهَفَّ ، و أصلهما : يئس – اكفَهَرَّ ، إضافةً على أنه يجدر بك العلمُ أن المعاجم تلك لها قوانين تسير عليها ، لترتيب المواد في داخلها.
هذه الضوابط المذكورة للناقب في المعاجم قد تناولها علم الصرف بجميع نواحيها ، و أسهب القولَ فيها العلماءُ ، و اعلم – يرحمك الله – أنك لن تكون ذا بصيرة في البحث إلا بتلقُّفِها .
قد بان لك فيما قُدِّمَ أن المُعالج الأكبر ، و المُعلِّم الأعظم ، الذي يعلمك كيف يكون الاشتقاق من الكلمة ، و كيف تعوم في بحر العربية ، هو علم الصرف ، الذي ما زلتُ أحرِّضك على الاعتناء به ، و أبرز لك بعضَ مفاتنِه التي ستُغريك بالانقياد له ، و لا أظنك بعدما علمتَ تلك الفوائد الجمَّة لعلم الصرف أن تهمله و تعرض عنه.

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر