وداعا أيها الصديق العزيز….!

تعددت الأسباب والموت واحد… هكذا انتقل إلى الفردوس الأعلى صبيحة الأحد 26 يوليو 2020م، سعادة المستشار/ عبد اليوسف بن علي المسيلي، الدبلوماسي المخضرم ، والرجل الاملود البشبشة الذي لا ينكسر أبدا،  مفعم، متبلد، كجلمود صخر خطه السيل من علٍ بحيوية الحياة وآمالها وتصوراتها المختلفة.
 خرج صديقنا ولن يعود، تاركا جروحا عميقة لا تندمل، وبحرا عميقا من الأحزان التي لا تنتهي..ماضيا  في طريق الحق  غير ملفت   عن عمر ناهز  الخمسين عاما.
شهدت أيامه  الأولى في باجي  التي انحدرت منها أمه المعطاء ولم يلبث حتى قدم برفقة  الوالد إلى مسقط رأسه، في نتسوجيني، التي ترعرت المسيلي بين أحضانها وأعشابها الطلقاء  بعاطفة  الأبوة  وكبرياء المنبت، وسرعان ما التحق بكتاتيب المدينة متفوقا على أنداده في  حفظ القرآن الكريم  وتآلفه مع أقرانه وتفاخر أبواه أمام الناس بهذا المنبت الجميل،  وما أن تفتحت عيناه وبلغ عشرين حجة إلا و قرر والده تسفير ابنه  إلى جمهورية مصر العربية للدراسة والانهمار من نهر الأزهر التليد، وفي معاهده وميادينه الطلقاء شهد حصوله على  الشهادات الإعدادية والثانوية والليسانس في  الصحافة والإعلام، معد في ذلك التوقيت المبكر من خيرة  طلبة جزر القمر الذين تركوا بصمات تاريخية من دمث في الأخلاق ولين الجانب ووطنية جارفة..حتى اشتهر القمريون بأحسن الناس.. ما أن ينادى أحدهم إلا ويراد بحسن الأخلاق،  فمنها ما كانت  تقطع مياه  الملاحة أبكارا حسنا،  في روض أغن ، دني الثمر وافر العبر، حسنها  يشف ونورها يرف، وإذا وارها  التمزق سجل هذه المرحلة وشموخها وصولتها ولم يبق- على ما يبدو – من أمجادها إلا الأثر بعد العين، يثير في حلوقنا الشجاء ويبعث في أعماقنا الأسى ، ويحرك في نفوسنا الذكرى  وقد تنفع الذكرى وتثمر الأفنان..  مرحلة استثنائية راسخة حتما سيحاج إلى كدّ الخاطر وإمعان نظر.. ففي ذكرها إحياء جيل وماضيه المعرق وتاريخه المشرق ..ومن ينكر فضلها المسطور في صحائف من نور إنما ينكر ضوء الشمس من رمد وما غيّه إلا سمادير غير مفيق،  فهي ليست من الهون بحيث تحنى  الرأس لمثل هذا الضعف المتخاذل!  
أما المسيلي  نفسه فإن اهتمامه بالعلم لم يتوقف عند حد جامعة الأزهر الشريف بقدر ما اتسعت رقعة  البصر والبصيرة، وتلألأت مسيراته العلمية في صفوف العالمين  لا سيما في معهد البحوث والدراسات العربية التي نال فيها على الدبلوم العالي  في  العلوم السياسية و العلاقات الدولية كندرة معدودة يشار إليها بالبنان..بقدر ما توجت تلك المرحلة المهمة من عمر طلبة  البلاد  بصبغة الوطن،  حيث  يشهد بمجدها المتألق الذي غرب وشرق من عز المجد إليه فقد صدق! .. أليس كذلك و قد كان  لإتحاد الطلبة بوقا في مناقشة أوضاع الوطن وتحدياته  وأترابه على السواء .. وكانت سراديق الندوات والمحاضرات   والمؤتمرات و نقاشات  وطنية حامية الوطس هي عنوانها .. بقدر ما تنوعت  وتآلفت بمختلف الموضوعات ..  بل كان للإعلام  نصيب الأسد في هذا السياق،  وصاحبنا رائدا فريدا في هذا المنظار .. مهتما به شغوفا عليه متميزا في دورانه   حتى  أصدر الاتحاد مجلة رائجة حملت عنوان ذائعا  عرف بصوت القمر … كاسم على مسماه حمل في مضامينه معاني عدة ، فلم يك مجرد حامي  حمى  طلبة البلاد بقدر ما كان همزة وصل  لتبادل المعارف وأحلام الوطن ومناقشة مؤاسيه المختلفة.. لا سيما شارك في هذه الملتقيات مختلف الانتماءات الثقافية والدينية والسياسية وترفرفت أعلام  الأربع  جزر معا .. فمنها ما حملت جرحا ومنها ما حملت حلما .. وعلى مصراعيها ترنت الجفون إلى  المساء تأملا والليل سكر والأنام هجوع !  
صولات وجولات مرسومة  بالبسالة و النهضة والتقدم والازدهار، كان للمسيلي  فارس مغوار في عتمة الانعزال والانحدار بالأزمات وحصينة محشوة بالأبنية العظيمة كالقلاع والأسوار، وقائد فريد شهد في الميادين بالتقدم والإصرار؛ وفيّ لأصحابه،  متشبث،  متحنث، طويل البال لا تنفلته أعمالهم كأن لا غد في الغد .
ومما ساعد رواد هذه المرحلة  على التمسك والتجاسر  والانصهار في الآداب العامة والعلوم   هو تجارهم و تزاوجهم وتجاسرهم بين الأربع جزر معا ….فمنهم من يرجع شعاب والده إلى إنجزيجا وأمه إلى أنجوان كالمرحوم الذي ساعده التنوع الأرحمي إلى الاندماج مع المجتمع  بشكل كبير وتكافئه وتراحم بعضهم البعض…كان لصوته صدى في وازع الوطنية ونبذ الجور والتخبط في الفكر والانفراد بالراية ومخاطبة الناس بتركة أبي جهل.  
ومع أنه  أحيانا ما يكون للأنشطة  الطلابية سببا في تردي   وتكاسل  في مستوى النجاح  والتفوق لكن المسيلي ضرب كل ذلك  عٌرض الحائط  ..كان  مقداما على النجاح، مشهودا عليه في مختلف  المجالات، الأمر الذي شدّ عضده على الإقدام دائما والالتحاق بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي …ولنا في هذه القطرة  عطر فواه  حمل المسيلي طيبته سنوات وسنوات …ألم يكن كذلك وقد تميز المرحوم بالبكور إلى العمل ..وتساؤله المعهود:   هل كل شيئ على مايرام ؟!
لم يترك المسيلي قلبا إلا داهمه بالأمانة والصدق والمحبة التي بلغت أحيانا إلى درجة الصبابة والهيام..وضع روحه بين يدي الناس فأحبه زملاؤه بغزارة واهتمام ..ونصح لهم بالخير والإخلاص فكان عليهم  تاجا على رأسه نار.
تم تقديره بتعيينه في سفارة جمهورية القمر المتحدة بالقاهرة كمستشار ثقافي لها ..في منصب ساهم توقيعه في تعليم عدد كبير من طلبة جزر القمر بمصر والتحاقهم بمختلف الجامعات المصرية ومعاهدها بقدر ما قام بدور استثنائي شاهق في مساعدة الراغبين في العلاج بالمراكز والمستشفيات المصرية .. أو الذين كانت فرصة العيش في البلاد كشوكة وغصة في الحلق   وإعاقة للبلع والتنفس…حقيقة يمكنك قراءتها بجلاء على وجوه تلك المرحلة.
لم يدهن حياته بقارورة فارغة بقدر  ما تعلق  بأبواب الحياة وأطرافها .. فمع عمله  الدؤوب في وزارة الخارجية اشتهر أيضا بالوظائف الخاصة .. كان يمتلك وكالة للحج والعمرة..وظيفة قدم لها الغال والنفيس من أجلها .. وعرف تعاملها مع  الزبون بالمثالية المطلقة ..
ومع  تزاحم  دواع الافتخار وتكاثره من هنا وهناك فلم يسحب  البساط من تحت قدم الأزهر بقدر ما   كان فخورا به وسؤاله عن حال منظمة خريج الازهر الشريف فرع جزر القمر  لا يغيب ، الأمر الذي دفع زملاءه الأزهريين  إلى التشفع بفقيدهم الغالي ، مرسلين بباقة زهور على بساط الريح وبرقيات عزاء باسم المنظمة عند دفنه في مرقده الأخير في مقابر نتسوجيني  في حاضرة منطقة استنرايا ، جزيرة القمر الكبرى .
ثَم جانب مهم من حياة فقيدنا لابد أن نعير به اهتماما بالغا  وهو الجانب الإنساني الذي طغى على شخصيته من حين لآخر،  فقد كان المسيلي أبا لعدد من  البنين والبنات ..مهتم بهم ومتضايق لتضايقهم بقدر ما كان قمريا خالصا ..اعتنق بالمظاهر القمرية الخلابة  اعتناقا  جامعا .. واحتمى بمبادئه واحتشم به احتشاما كليا وقام  بالزواج الكبير الذي حضره كثيرون من الوجهاء والنبلاء والمثقفين ورجال السلطة على اختلاف الطبقات مما قطع الشك في ذيوع صيته وانتشار خبره في المدن والقرى على السواء..
كان بسمة الابتسام صادقا، لسانه كقلبه  يسهل عليك أن تقرأ شيئا من حياته بجلاء…ومع أنه ذهب سريعا لكنه ترك مخزونا حقيقيا مملوءا بالحب والصداقة والعرفان ..بقدر ما ستظل لمحاته.. ضحكاته..أحاديثه…الخ محل افتخار واعتزاز….لكنها الدنيا دائما يا صديقي من سره زمنا سائته أزمان……” ظنوا أن النبي لا يحزن، وأن الشجاع لا يخاف ولا يحب الحياة، وأن الكريم لا يعرف قيمة المال..والقلب الذي لا يخاف لا فضل في الشجاعة، والقلب الذي لا يحزن لا فضل له في الصبر..إنما الفضل في الحزن والغلبة عليه وفي الخوف والسمو عليه..”  
في السبت 25  يوليو 2020م جاءني في مكتبي في  الوزارة  تاركا رسالة مشفرة،  محمية بألغاز بالغة في التعقيد والغرابة  فهل  وفقت في إيثارها  وإيصالها… أرجو ذلك والله ولي التوفيق والسداد !
 
إنا لله وإنا إليه راجعون

                                        

شمس الدين سيد علي

الإدارة العامة للشؤون العربية

وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي