القواعد الجليلات لمن يريد النبوغ في العربية

إن أجلَّ العلوم هي التي تُعلمك استقامة اللسان ، و ترشدك إلى معرفة خالقك و موجِدك ، و ليس لنا – نحن المسلمين – علم يرشدنا إلى بارئنا سوى العلوم التي تتعلق بالقرآن و السنة ، و هذه العلوم مرتبطة بالعلوم اللسانية ، يُحوِج الطلب بها إلى العكوف طويلا على منبر اللغة ، فكانت العلوم اللسانية واجبة في هذه الناحية ؛ لأنها تتعلق بأسمى شيء في الوجود ، و بأعظم ركن في الدين ، الذي لولاه لساد الجهل على الناس ، و ما مُيِّزَ إنسانٌ من حيوان آخر ، لأجل هذا كان لزاما على المسلمين أن يسعوا ليتعلموا العربية و يُعلِّموها الناس ؛ لأن ” ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ” .
أريدك أن تصاحبني في هذه الرحلة الطويلة ، أن تتجاشم المكاره و المصائب معي ، لنقطع هذه المفازة الكبيرة ، حتى نصل إلى بر الأمان ، و أرض المروج .
من علامة نبوغك في العربية أن تعلم كيف تُسند الضمائر إلى الأفعال ؛ ذلك لأن الأفعال ليست على نمط واحد ، و إنما هي مختلفة المباني ، متنوعة الأبواب ، سنسير في سيرنا خطوة خطوة ، لأن السير البطيء في طريق السداد خير من العجلة في طريق الانحراف ، أقول لك مستعينا بالله تعالى  :
الأفعال على سبعة أبواب عند إسناد إليها الضمائر ، و هي كالتالي :
السالم و المهموز و المضعَّف و المثال و الأجوف و الناقص و اللفيف ، و سنكتفي في هذا المقال بالنوعين الأولين ، أعني : السالم و المهموز ، و نتعرف على البقية في اللقاءات التالية بمشيئة الله تعالى ، و هذا الشروع :
الأول : السالم من الأفعال ما لم يكن مهموزا و لا معتلا ، بمعنى : أن حروفه الأصلية ليس منها حرف همز ، و لا منها حرف علة ، و حروف العلة ثلاثة ( الألف – الياء – الواو ) و يقال له : السالم الصحيح ، و مثاله : كتب – ضرب – شرب – طعن – غفر – لجم – سمع إلى غير ذلك ، و حكم إسناد الضمائر إلى هذا النوع من الأفعال أنه لا يتغير شيء عند إسنادها للضمير ، و هذا يشمل ضمير المفرد و المفردة و الاثنين و الاثنتين  و الجماعة ، فتقول : كتبتُ – كتبتَ – كتبتِ -كتبَتْ – كتبتما – كتبتم – كتبتن –  كتبا – كتبتا – كتبوا – كتبن.
فإنك تجد أن الفعل لم يتغير في آخره إلا بعد خمسة ضمائر ، هي : تاء الفاعل ( تكون مفتوحة للواحد و مكسورة للواحدة و مضمومة للمتكلم ) و ضمير المخاطَبَين أو المخاطبتين  ( كتبتما )  و ضمير المخاطبِين ( كتبتم  ) و المخاطبات ( كتبتن  ) و ضمير الغائبات ( كتبن) ، فإن آخر الفعل يُسكن بعد هذه الضمائر ، و كذلكم الفعل السالم الصحيح عند إسناده إلي الضمائر.
الثاني هو المهموز : و هو كل فعل بدأ بـهمزة كـ ( أكل و أخذ و أمر  ) أو كانت عينه همزة نحو ( سأل  ) أو كانت لامه همزة كـ ( قرأ ) ، فحكم هذا النوع عند إسناد إليه الضمائر كـحكم السالم الصحيح السابق إلا أن الأمر من : أخذ و أكل تُحذف همزته مطلقا ، تقول : كُلي ، قال الله – سبحانه – ( فـكلي و اشربي و قري عينا)  كُلا – كلوا – كلن ، قال الله ( و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا  ) ، و تقول : خذ الكتاب ، قال الله – تباركت أسماؤه – ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة  ) و قال ( يا أيها الذين آمنوا خذوا زينتكم عند كل مسجد  ) و خُذا الأمر بالجدية ، و قال الله ( و خذوا حذركم  ) ، و خذن يا فتيات…..
و من ” أمر و سأل ” في الابتداء ، تقول : مُر – مروا – مرا – مرن بالمعروف و انهوا عن المنكر ، و سل ، قال الله ( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة  ) ويجوز الحذف و عدمه إذا سُبقا بشيء ، قال الله ( يا بني أقم الصلاة و أمر بالمعروف  ) و قال ( و أمر أهلك بالصلاة  ) ، و تقول : مر أو اؤمر – سل أو اسأل.
و كذلك تحذف همزة ” رأى ” في المضارع و الأمر كـ ” يرى – رَه ، و الأصل : يَرأى ، فنُقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها و هي الراء ، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع ما بعدها ، و الأمر محمول على المضارع.
كذاك تحذف همزة “أرى ” في جميع تصاريفه ، نحو : أرى – يُري – أَرِه ، فالأصل بهمزتين ، حذفت في المضارع و الأمر ، قال الله – سبحانه – ( ربنا أرنا اللذين أضلانا  ) و قال ( و كذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات و الأرض)  و قال علي لسان خليله إبراهيم – عليه السلام – ( و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى  ) .
فهذا كافٍ في لقائنا هذا ، سنواصل السير في ما تبقى – إن شاء الله – في اللقاء القادم ، أسأل الله أن يهبك ما ينفعك من العلم ، و ما يكون ذخرا لك في يوم المعاد ، و أسأله أن يرزقك حسن الفهم ، و حسن البيان ، و توقد الذهن

 

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر