يوم أن . . . . .؟

ركن كلاسيكي هادئ  جداً و ساحر وإضاءة   خافتة  كغروب  في آخره مع  ألوان استوائية  وأثاث أرجواني أنيق  و مكتبة  صغيرة  و بعض أسماك الزينة الملونة  تلهو بزهو في حوضها الزجاجي بالقرب مني  بالإضافة  لعطر آسر جداً كأنه  صنع  خصيصا  لهذا المكان  و مقطوعات  رائعة  لبتهوفن  زادته رونقاً بصوتها المنخفض كأنسام ربيع في أوله ..
جلست أحمل مفكرتي كالعادة وفنجان من القهوة الساخنة وذكريات كثيرة جداً أقلب صفحاتها في هذه المفكرة الجبارة التي رافقتني قرابة السبعة عشر عاما مذ كان خطي صبيا لم يتخلص من ركاكة الأطفال بعد .. جميل أن تكون لي ذكريات مدونة مؤلمة كانت أو مفرحة أو مبهمة .
ذكريات أجتر فصولها بحنين جارف وأكثرها يحتويك أيها الغائب الحاضر فأدرك أن ذاكرتي مازالت بحالة جيدة وكنت أظنها مثقوبة …
وقد لاحظت أنه في أسفل بعض الصفحات دونت عدة أحداث تاريخية ..1906 وفاة الملكة فكتوريا أشهر ملكات بريطانيا .. 1880 وضع حجر الأساس لبدء أعمال بناء برج إيفل .. 1948 اغتيال المهاتما غاندي على يد أندونيسي .. 1975 وفاة سيدة الغناء العربي أم كلثوم .. 1878 صدرت أول نشرة عن أحوال الطقس بإنجلترا .. ثم وجدت صدفة .. 1778 بتهوفن يقدم أول حفل موسيقي له وعمره ثمان سنوات . . .
ابتسمت وتساءلت دون انتظار إجابة : ما هذا التوافق الغريب الان بين سماعي لبتهوفن وتاريخ بدايته الذي دونته قبل أعوام ؟؟ ولماذا أنا أصلاً دونت هذه التواريخ آنذاك؟؟ صراحة لا أذكر .. المهم.. عدت لقراءة المفكرة من البداية وإذا بها مليئة بي وأنا في كل حالاتي الجنونية  بانفعالاتي  وحماقاتي وأشياء مختلفة حدثت لي كتبت تاريخ  تدوين كل منها  باليوم  والشهر والسنه …
وأتساءل مرة أخرى هل هي أحداث لها أهميتها كتلك ؟؟ ربما .. لكنها على كل حال تقرأني وتجردني مني في كل زمن على حده ، هل سيقرأها أحد سواي ؟؟؟ هذه المفكرة التي دونت فيها تفاصيل التفاصيل من حياتي دون تزييف أو تردد تتطلع بي بعيون ساخرة و مكتحلة  بكل أنواع الحبر السري وتقول لي بكل وقاحة : لن تقدري على حرقي كما تنوين فأنا أنت التي بالكاد تذكرينها ..ثم تضحك بصوت عالٍ جداً .. فأغلقتها سريعا ووضعتها على الطاولة قبل أن تكدر صفو مزاجي بسخريتها .. وعدت هادئة أكثر من ذي قبل و احتسيت قهوتي بينما أسبح فيما حولي من جمال طاغٍ وأتحسس تأشيرة خروج خاصة ونهائية وضعت اليوم على جواز سفري .. وأخذت المفكرة من جديد لأدوّن ذكريات هذا المكان وخروجي لأقرأها في زمن قادم وأنا على ثقة تامة أن كل هذه التفاصيل سوف تتلو نفسها على أذني وأمام عيني حينها بل حتى هذا العطر سيكون حاضراً …….
وسأتلوها بأعلى صوتي عليك يا قمري : !! ركن كلاسيكي هادئ جداً وساحر بإضاءة خافتة كغروب في آخره . . . . . . . . إلخ .
بتاريخ / يوم أن تركتك أيتها البلاد الحبيبة .

نهى إبراهيم  سالم