جدلية الإصلاح في جزر القمر بين الحقائق والأوهام

ثمت من يسأل عن المدة التي تستغرقها قيادة حكيمة من انتشال دولة مثل جزر القمر من براثين الفقر ، دولة بمساحة شاسعة مع قلة عدد سكانها الذي لم يتجاوز مليوني نسمة ،
فقد تجاوز هذا الوباء الحدود الزمنية المعقولة لشعب يمتلك كل المقومات التي تتيح له أن يعيش حياة كريمة أسوة بدول الجوار من موريشيوس إلى تنزانيا مرورا بجمهورية سيشل ، و ملديف ، دول لا تقارن مُجتمِعة مع المقومات التي تحتضنها دولة أرخبيل القمر بإمكانياتها الهائلة برا وبحرا ، وفقا لتقديرات المنظمات الدولية المعنية وعلى رأسها المنظمة العالمية للأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة – الفاو ، وكذلك منظمة السياحة العالمية وغيرها من تقارير البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية ،
لكن بالمقابل ، ألم تتمكن قادة النظم القمرية المتعاقبة من انتهاج سياسة مرنة أدت إلى تعايش سلمي داخليا وخارجيًا طيلة نصف قرن من الزمن تقريبا ، ألم يتمكن النظام الحالي من الحفاظ على دبلوماسية هادئة بسياسة صفر مشاكل مع دول الجوار  ؟ ألم ينجح هؤلاء القادة من تسويق سياستها و إخضاع باريس المدافع الرئيسي لحقوق الإنسان أمام أمر الواقع حول مسألة شرعية النظام السياسي المطبع حاليا في البلاد رغم الانتكاسات الخطيرة المخيمة لها والصيحات التي تحاصر النظام من كل حدب وصوب ، تزامنًا مع الحشود المكثفة داخل البلاد وخارجها لنزع شرعية الإمام غزالي الزعيم الروحي للنظام ؟
 ألم يحظ هذا النظام بانفتاح دبلوماسي ملفت للنظر مع معظم الدول الفاعلة عالميا مع زخم دبلوماسي خليجي مكثف ، بجولات مكوكية وأخرى تمثيلية في عاصمة موروني ولأول مرة في تاريخ الدبلوماسية القمرية ؟ ألم تقلص رئاسة بيت السلام زيارات رئيس الدولة الخارجية كجزء من مبادرة تخفيف أعباء الدولة من النفقات الباهظة التي أرهقت البلاد اقتصاديا ؟ ،
 ألم تتمكن حكام هذه الأرخبيل بحنكة سياسية من إرغام الدول العربية والخليجية على وجه الخصوص بضخ ملايين من الدولارات تحت مشاريع متعددة وموجهة دراماتيكية بغية تمكين هؤلاء القادة من الاستمرار في الحكم لأطول مدة ممكنة ،
 الملفت للنظر  أن كل المخططات الرامية لتحجيم النظر عما آل إليه الشعب القمري من تردي الأوضاع في كل الأصعدة بائت كلها بالفشل ، بالرغم من ملايين الفرنك القمري التي توزع في المهرجانات السياسية لهذا الصدد ، فقد بات جليًا أن الشعب القمري يعاني من أكبر كارثة إنسانية في شتى مجالات الحياة ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، كارثة يصعب لعاقل أن يقارنها جملة وتفصيلًا بما بات يعرف بمبادرة من أجل الإصلاح التي يتغنى بها دوما النظام الحالي برئاسة بيت السلام، في القصر الجمهوري بموروني
فالدولة القمرية احتفلت قبل أشهر بعيدها الخامس والأربعين من استقلال الجمهورية عن فرنسا ودون حتى رؤية مستقبلية واضحة حتى الآن ، غير المشاريع الوهمية التي  اعتادت الآذان سماعها ليلا ونهارا ، فخمسة وأربعون عاما ، مدة أطول بكثير من السنتين التي أمضاها الزعيم الراحل علي صالح متساشوا في هيكلة البنية التحتية لهذه الجزر الثلاثة ، وأضعاف بكثير من المدة التي استغرقها الرئيس بول كغامي في رواندا لتجفيف آثار الدماء التي سالت جراء الحرب الأهلية التي اجتاحت  بلاده وإعادة الشعب الرواندي للمرتبة الخامسة في اقتصاديات الدول الأفريقية ، وكذلك دول الجوار التي تعيش فوق اليابس وتعتمد اقتصادياتها إلى عناصر تحويلية مثل سيشل و موريسش مرورا بموزامبيق لتصبح دول ضامنة لشعوبها في شتى مجالات الحياة ،
بالرغم من اختلاف الجيوسياسية ، وضعف مقوماتها الاقتصادية مقارنة بما تتمتع به دولة الأرخبيل من آراضي شاسعة خصبة صالحة للزراعة تقدر ب %40,5 من مجمل آراضي القمر وفق تقديرات منظمة الفاو  العالمية كما تحتضن نقطة استراتيجية مهمة في المحيط الدولي والتي تتمكن من خلالها التحكم وتوجيه جزء كبير من الاقتصاد العالمي بحرا وجوا ، إضافة إلى الكنوز الوفيرة الموجودة في المياه البحرية التي تسيطر عليها حاليا الاتحاد الأوروبي بصفقة مشبوهة مع الحكومات القمرية المتعاقبة لاستغلال الموارد البحرية من الأسماك النادرة وغيرها ضمن الحدود البحرية للجزر الثلاثة التي تحت سيطرة الحكومة المركزية في العاصمة الاتحادية بموروني ،
إن الجمال السحري الذي تتمتع به مجموعة جزر أرخبيل القمر وحده كان كافيا لتحويل شعب الأرخبيل الى جنة الله في الأرض بل و أن تصبح منافسا قويا لشركات السياحة العالمية على غرار ما تحظى به دول مثل سيشل وموريشس والبرازيل في مجال السياحة العالمية ولم يكن إغلاق مشروع صيد الأسماك والذي كان كفيلا لإخراج سبعين بالمائة من الشعب القمري من البطالة إلا ضربة قاضية لأحلام شعب ومؤامرة مبيتة بصفقات مشبوهة من وراء الستار من أجل إتاحة الفرصة للاتحاد الأوروبي لاحتكار واستمرار في نهب الكنوز البحرية لهذه البلاد بأثمان بخس دون رقيب أم حسيب ، بالتالي فإن المتابع لصيحات النظام ومهرجاناتهم في كل ميادين أرخبيل القمر شرقًا وغربًا يدرك تماما مدى النفاق الرخيص الذي يتبناه دعاة الإصلاح تحت قيادة الإمام عثمان الغزالي ، إلا أن غدا لناظره لقريب ،
والله غالب

 

يوسف علي امباي

أكاديمي وباحث في المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية-باريس

 

كل الآراء الواردة في المقال يتحمل الكاتب فقط كامل مسؤوليتها