ليست قواعد مجردة بل هي معانٍ مُبطَّنة

إن الممارسة اللغوية ، و الوقوفَ على مواطن بلاغتها ، هو الذي يجعلك – حقا – كاتبا عظيما ، و أديبا أريبا ، و شاعرا مرموقا ، ليست اللغة مجرد سرد للكلام ، إنما اللغة أسمى من ذلك ، يكفي أن الخالق – تبارك و عز – قد تمدح في كتابه العزيز بأنه علم الإنسان بعد أن أوجده ، فقال ( علمه البيان / الرحمن)  و هل ثَمَّة منَّة أعظم من أن يُخرج الإنسان مخبآت صدره ليعرضها أمام الآخرين بصورة فيها أبهة و جمال  !
لكنَّك تذرف دمعا حين تدرك أن ميزان اللغة عند أكثر الناس مجرد إقامة جُمَل ، أو نسق كلمات خالية من روح البيان و الإفصاح ، فما أكثرَ الذين يتكلمون اللسان العربي المبين و لا يستطيعون أن يفرقوا بين الاستفهام بـ ” أم ” و الاستفهام بـ ” أو ” فإنهما عند كثير من كُتَّاب عصرنا سواء معناهما فلا تسأل عمن دونهم ، و السر في الاستفهامين كبير عجيب ، و فارق كبير جدا .
اعلم – يرحمك الله – أن الناس في تعلُّم الكلام على مذهبين ، فريق مقلد تابع لما يسمع ، و ليس له حظ في التنقيب و القراءة الجادة ، و هذا حظه في البيان أقل ، و خطله كثير ، و ما يفسده أكثر مما يصلحه ، و فريق آخر سَمَّاع فتَّاش ، يُسخر مواهبه التي حباها الله إياه على إصلاح ذات مَنطقه ، و الارتفاع من حضيض الخطل في الكلام ، و هؤلاء هم السادة النجباء ، و الرواد الأماجد الأفذاذ ، لا يكتفون بالسماع حتى يهرعوا إلى ينابيع تلك الكلمات و إلى أنهار تلك الأساليب ليقفوا على أصلها ؛ و استنطاقًا لنصوص هذا اللسان العظيم.
و على سبيل ما أوردته من إشكال سالف و هو الفرق يين ” أم و أو ” في الاستعمال الاستفهامي أفصَّل لك بعض ما يعينك ، و يدعوك إلى امتطاء جواد العروبة ، و إلى أن تعتلي صهوة بيان الحاذقين ، و تسلك طريق الواصلين ، فأقول :
ليكن في علمك أن ” أم ” نوعان في الاستفهام ، نوع يقال عنه : متصلة ، و آخر ” منقطعة ” ، فالمتصلة هي التي تقع بعد همزة التسوية كقوله – تعالى – ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم / البقرة  ) و تكون – أيضا – بعد الهمزة التي يُطلب بها و بمدخولها ما يطلب بها ” أي ” كقوله – سبحانه – ( أأنتم أشد خلقا أم السماء / النازعات  ) ، و أما النوع الآخر المسمى بـ ” أم ” المنقطعة فهي التي يكون معناها معنى ” بل ” كقوله – جلت كلمته – ( أم يقولون افتراه / السجدة  ) فمعناها هنا : بل يقولون افتراه.
و إذ قد عرفت ما قيل في هذا الباب فاعلم أن ” أم ” في الاستفهام للتعيين ، و معنى ذلك أنك قد عرفت أن شيئًا قد كان في رجلين ، لكنك تجهل أيهما كان فيه الشأن ، فتطلب من المخبر أن يعين لك ذاك الذي أشغل بالك ، و مثاله أن تستفِهم قائلا : أعمرو جاء أم زيد ؟ لقد علمت المجيء أنه كان ، و لكن ممن كان ، أمن عمرو أم من زيد ؟ فهذا الذي تسعى لمعرفته ، فيقول لك المخبر : عمرو ، أو زيد ، و لا بد أن يعين ، و لو قال مكان ” عمرو أو زيد ” بـنعم أو لا ، كان مخطئًا خطأ كبيرا ، لأن أصل السؤال : أيهما جاء ؟ فلا يمكن ان تجيب هاهنا بـنعم أو لا ، و إنما تُعيِّن.
و أما ” أو ” في الاستفهام فلا يطلب منك المستفهم أن تعين له ، بل أن توافقه على ما يقول أو تنفيه ، كأن تسأل قائلا : أقرأت هذا الكتاب أو ذاك ؟ فتجيب : نعم ، أو لا ، و لا تقول في جواب ذلك : كذا أو كذا ، لأن السؤال في أصله كالتالي : أقرأت أحدهما ؟ فيكون الجواب بـنعم أو لا ، و لو عين لك في هذا الموضع لكان مخطئا خطأ فادحا ، و على هذا الذي رأيت فـقس عليه ما لم يذكر ، فلو سأل أحد قائلا :
آلحسن و الحسين أفضل أم ابن الحنفية ؟ فيكون جوابك : أحدهما ، و لا تقل : الحسن و لا الحسين ؛ كأنه قال : أأحدهما أفضل أم ابن الحنفية ؟ فلا يمكن أن تقول غير : أحدهما.
و هذا لو تأملته باب عظيم يخطيء فيه الكثيرون ، و قلما يسلم منه أحد ، فأنت خذ ما فسَّرت لك و سل الله المزيد ، و اهرع إلى ما زاوله العلماء في هذه البابة لتقطف الجنى المودع هناك ، سهل الله عليك طريقك ، و أيدك بالحق الناصع ، و فتح لك مجاري العلوم ، إنه ولي ذلك و القادر  عليه  !

 

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر