العربية في ظل الاحتلال الفرنسي في جزر القمر

إني لأعجب من الشعب القمري أيما الإعجاب و لا ينقضي عجبي ، كيف أنهم انسلخوا من إرث آبائهم و أجدادهم و انتحلوا لأنفسهم شخصيةَ غيرِهم ، رغم أن المحتل الغاشم قد استطاع أن يفرض عليهم ثقافته و لغته في المدارس ، إلا أن شعارهم الدائم الذي لا يسقط عنهم كأني بهم قائلون : إن استطعتم أن تسيطروا على أرض الواقع فإنكم لن تستطيعوا أن تغسلوا ما في قلوبنا من حب العربية و التمسك بديننا و أخلاقنا.
إن هؤلاء الآباء هم – حقا – الذين صنعوا لنا شخصية ، و تركوا لنا أمجادًا ما يزال التاريخ يَذكر لهم و يعترف لهم الفضل  ؛ لأن نظام الكتاتيب الذي كان سائرا في البلاد لتعلم العربية و الأحكام الضرورية في الدين هو الذي ابقى لنا شخصيتَنا كأمة إسلامية عربية ، و يا له من منقب عظيم يُسجَّل لهؤلاء الأعاظم الأساود !
لا شك عندي من حب القمريين العربية كلغة للدين و للثقافة ، رغم ما يُزرع من أشواك شائكة تحت ظل الدراسة الغربية لإبعاد الناس عن هذا اللسان العظيم ، و لقمع مجهودات الأسلاف و لهدم البنيان التحتيِّ ، و لا شك عندي أن الدورة ستدور ، و الأيام دول ، و تكون الكرة للعربية و لمن يدعو إليها – إن شاء الله – و لا يغرنك انتكاس الحال الذي تراه ، و دليلي الذي أعرضه لك ما رأيناه مؤخرا من تنبه الناس من مرقدهم بما للعربية من مزايا ، و بالارتباط الوطيد في الأنساب و الدين و الثقافة ، و أمسى أكثر الآباء – إن لم يكن كلهم – يدفع ولده إلى البلاد العربية ليتعلمها ، فما زال مستقبل العربية في الأرخبيل القمري في طور نضوج ، و تقدمه حثيث و نسأل الله أن يتممه.
إن قضية العربية في وطننا القمري – ليس في وطننا و حسب – قضية دين ، فكما أنه واجب علينا أن نحافظ على ديننا يجب وجوبا أن نحافظ على اللسان الذي يُبين لنا هذا الدين الحنيف ؛ لأن غيابه عنا هو انغلاقُ سبيلِ الإدراك لمعنى النصوص القرآنية و نصوص السنة النبوية المطهرة ، فالواجبان متعادلان ؛ فإن الذي لا يتم الواجب الشرعي إلا به فهو واجب أيضا.
لا يمكن التنبؤ بالمستقبل و بما يحويه من حدث  ، لكن بالنظر إلى الحب الذي زرعه الله في قلوب الناس للعربية و أهلها ، و إلى سؤالهم المستمر عن العربية ، و إلى التواصل الكثيف بين شعب الأرخبيل و الشعوبِ العربيةِ كل هذا يفتح لنا باب الأمل – و لا تيأسوا من روح الله – أن نحتفي بهذا المستقبل المشرق ، الذي نتطلع إلى حينه ليل نهار ، فكم نرجو أن تحل العربية الشريفة مكانتها السامية المستحقة في المجتمع القمري كما حل في قلوبهم حبُّهم إياها كلغةِ دينٍ. !

 

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر