سياحة ثانية في جزء من (فائية) سلطان العاشقين لابن الفارض ، رحمه الله، واحدة من التحف الشعرية الشهيرة له

قـلبي يُـحَدّثني بـأَنّكَ مُـتْلِفِي روحـي فِداكَ عرَفْتَ أم لم تَعْرِفِ
لم أقضِ حق هواكَ إن كنت الذي لـم أقـض فيه أسى ومثلي مَن يفي!!
مـا لي سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِ فـي حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف!!
فـلَئِنْ رَضِـيتَ بها فقد أسعَفْتَني يـا خَـيبَة الـمَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
يـا مـانِعي طـيبَ المَنامِ ومانِحي ثـوبَ السّقامِ بِهِ ووَجْدِي المُتْلِفِ
عَـطفاً عـلى رَمقي وما أبقَيتَ لي مـنْ جسميَ المُضْنى وقلبي المُدَنَفِ
فـالوجد بـاقٍ والوصال مماطلي والـصبر فانٍ والـلقاء مسوِّفي!!
واسأَلْ نجومَ اللّيلِ هل زارَ الكَرَى جَـفني وكيف يزورُ مَن لم يَعْرِفِ؟!
إن يـكن وْصلٌ لدَيْكَ فعِدْ به أَمَـلي وَمَاطِلْ إنْ وَعَدْتَ ولا تفي
فـالمَطْلُ مـنكَ لدَيّ إنْ عزّ الوفا يـحلو كوَصَلٍ من حبيبٍ مُسْعِفِ!!
أهْـفُو لأنـفاسِ الـنّسِيمِ تَـعِلّةً ولـوَجْه مَـن نقَلَتْ شَذَاهُ تشوّفي!!!
فـلَعَلّ نارَ جوانحي بـهُبُوبِها أن تـنطَفي وأوَدّ أن لا تـنطَفي!!!
يـا أهـلَ وُدّي أنـتم أَمَلي ومَن نَـادَاكُمُ يـا أَهْلَ وُدّي قد كُفي
لـو أَنّ رُوحـي في يدي وَوَهَبْتُها لـمُبَشّري بِـقُدُومكمْ لـم أُنْصِف!!
لا تـحسَبُوني فـي الـهوى مُتَصَنّعاً كَـلَفي بِـكُمْ خُـلُقٌ بغيرِ تكلُّف
أخـفَيتُ حُـبّكُمُ فـأخفاني أسىً حـتى لـعَمري كِدْتُ عني أختفي!!
قل للعذول , أطلت لومي , طامعآ …. أن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفى وذق طعم الهوى ….فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
بَرَحَ الخَفاء بحُبّ مَنْ لَوْ في الدّجى سَـفَرَ الـلّثامَ لقُلْتُ يا بدرُ اختَفِ
وإن اكـتفى غَـيري بطَيفِ خيالِهِ فـأنا الّـذي بـوِصالِهِ لا أكتَفي!!!
ألف الصدود ولي فؤاد لم يزل مذ كنت غير وداده لم يألف
كَـمَلَتْ مَحاسنُهُ فلو أَهدى السّنا لـلبَدْرِ عـند تَـمامِهِ لم يُخْسَف!!
وعـلى تَـفَنّنِ واصِـفيهِ بِحُسْنِهِ يَـفنى الـزّمانُ وفيه ما لم يُوصف!!!
_______________________________
ابن الفارض،، هذا الشاعر الذي تجبرنا روعة قصائده على سبر أغوارها واستهلاك طاقتها بتحليل بنائها وشرح محتواها الفكري والشعوري، فنبحر في الأخيلة والصور و أوجه الفصاحة والأسلوب، وفي هذه القصيدة بالذات يظهر إبداع الشاعر وحصافته بصورة مكثفة إذ انصهر الشكل والمضمون و صارا شيئاً واحداً و كُلاً شاملاً، فتداخلت الأصوات اللغوية المجردة في الأشياء المحسوسة بشكل أكثر من رائع، وأول ما يلفت الانتباه في هذا النص ،،القافية،، فاختيار القافية لتلائم جوهر النص الذي يحكي حال الكاتب وما يريد توصيله فن لا يتقنه الا القليل .. حيث يستخدم التوظيف الصوتي لتجسيد الخيال وتحقيق الصورة ومستوى السياق تتابعاً وتطريزاً، إذ يرفع هذا النص وقافيته الغطاء عن حالة وصلت لقمتها من العشق والوله والخضوع والذل والعناد والتودد والتلطف والتفاني الشديد للمحبوب ، ونستدل على ذلك بإحساسنا بالقافية واختياره لحرف الفاء وكسره وبمعاني الكلمات التي تنتهي بهذا الحرف…. ولتقريب المعنى اكثر قد ذُكر في علم الجمال الصوتي مثالاً لذلك وهو قول أبوالقاسم الشابي في تصويره حفيف الأشجار وتساقط الاوراق في الخريف وضعف الأزهار ورقتها بحرف الفاء في القافية :
وبين الغصون التي جردتها ليالي الخريف القوي العسوف…
وقفت وحولي غدير موات تمادت به غفوات الكهوف…
قضت في حفافيه تلك الزهور فكفنها بالصقيع الخريف…
سوى زهرة شقيت بالحياة وملبثها بالمقام المخيف…
يروعها فيه قصف الرعود ويحزنها فيه ندب الزغيف….
وأيضاً بدر شاكر السياب في استخدامه لحرف الراء تعبيراً عن صوت الماء والمطر وهطوله ..في قوله : أجراس برج ضاع في قرارة البحر …
الماء في الجرار والغروب في الشجر…
وتنضح الجرار اجراسا من المطر…
وهكذا.. ابن الفارض انتهج نفس الأسلوب في معظم قصائده إن لم تكن كلها لكن في هذه القصيدة بالذات أجده أبدع أكثر وأكثر خاصة بهذه القافية اللطيفة العميقة.
ثم يتبلور سحر القصيدة في مطلعها “قلبي يحدثني بأنك متلفي” هذا الشطر وحده يمثل قصيدة أخرى قائمة بذاتها وحديث القلب له أبعاد .، اعتراف يدخل الذات الشاعرة في قمة الوعي فيصل بقارئه لدرجة يفقد فيها حضوره القيمي ليغدو وجود عدمي يبلغ آخره إن لم يدنو من حقيقة تلك الذات ويدرك حفنة من ضوئها اللامخبوء “روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ” حب لا جدال في صدقه لا يريد به صاحبه رياءاً أمام محبوبه. وروعة الجناس التام في “لم أقض حق هواك” لم أفي لحق هواك رغم ما بي و ما بلغته في هواك _ إن لم أقض فيه أسىً” لم أمت فيه حزناً _ومثلي من يفي”.
ومن روعة ما ذكر هو مزجه بين الروح والنفس وكلاهما أصل الإنسان وقد كان للعلماء جدل كبير فيهما على مر الأزمان ومازال في هل هما أمران مختلفان أم واحد؟! .. و ما يهمنا مزج الشاعر لهما ورؤيته أنه ليس من الإسراف بذلهما لمن يهوى وهنيئاً له إن رضي الحبيب بهذا وإلا خاب مسعاه ،،
ونرى أيضا تنقله الجميل بعتاب أنيق ذكي في “يا مانعي طيب المنام ،،ثم،، عطفاً على رمقي” …. إنه أدب العتاب المتبوع بأدب الرجاء والطلب بشرح الحال والسبب .. وبرهانه في ذلك نجوم الليل التي تشهد أن المنام ما زار جفنه وكيف يزوره من لا يعرفه؟ قمة البلاغة والبيان هنا لوصف حاله ثم رضوخه ورضاه بالقليل رقياً الى الذل أكثر وأكثر ، والذل للمحبوب عروج لسدرة منتهى عندها جنة مأوى لا يراها إلا العاشق .. وذلك في “إن لم يكن وصل لديك فعِد به أملي وماطل إن وعدت و لا تفي…أي أنه قد عز علي وصلك فهلّا وعدتني به مجرد وعد؟! ثم ماطل بعدها ولا تفي به فحتى المطل منك يحلو .. يااااااه أي عشق نقي هذا !!
وها هو العاشق الجميل يميل لأنفاس النسيم تعللاً أي تشاغلا عنه به وبهذا الشذى العاطر لذاك الوجه يتشوف _أي يتطلع فلعل نار جوانحه بهبوب تلك الأنفاس تنطفئ…. وهنا الابداع ،، يريد أن تجدي تلك الأخيلة المتأملة المتلهفة لمحبوبه فتطفئ نار العشق بوصله كما يود أن لا تنطفئ في قرارة قلبه فيبقى هذا العشق مشتعلاً أبداً ..تمازج غريب للحس بفكرة طرحت نفسها بصورة بارعة،،، ثم يعود لبداية القصيدة بشكل آخر، وتكرار المعنى لتأكيد صدق وعمق هذا التتيم بطريقة عفوية غير مقصودة وذلك في مناداته : يا أهل ودي ..وهم هذا الحبيب ، ثم بذل الروح ووهبها له.. عودة لذات المعنى ومن ثم المتابعة لتأتي خلاصة هذا المزج من الحس والفكر فيما جسده الشاعر في سرد وصوله لدرجة كاد فيها أن يختفي عن نفسه من شدة الحب وإخفاءه، ولن يوقفه لوم عذول وتعنيفه إذ لن يدرك عشقه إلا من عشق ، فيا بدر اختفي إن أسفر محبوبه عن وجهه بكشف حجابه فهو أجمل.. يفنى الزمان ولن يبلغ واصفيه حسنه مهما تفننوا في وصفه ولا لوم عليه إن لم يكتفي حتى بوصله.
*ابن الفارض هو أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، من أشهر الشعراء المتصوفين وكانت غالبية أشعاره في الحب الإلهي والَمدح النبوي الشريف لذلك لقب بسلطان العاشقين..
أعزاءي القراء : هذه سياحة بسيطة وقراءة تأويلية متواضعة  للقصيدة وأهلاً بأي إضافات وشرح.
مع كل الحب “

 

 نهى ابراهيم سالم