كيف ننصر العربية في جزر القمر

يقال : لا تُنال المُنى بالتمني ، و لا تُنصر القضايا بالكلام ، و إنما تفوز الأمم في معاركها بما تقدمه في الساحة ، و بحسب بذلها و طاقتها ، و هذا يكون إذا ما كانوا يَعون هدفهم ، و يدركون قيمة الشيء الذي من أجله يناضلون .
إن المعارك الدولية لا تنتهي بين ليلة و ضحاها ، و لكنَّ ذوي الحجا ( ١)  يرمقون إلى النتيجة التي أسفرت بها الحرب ، و أعظم غزو في التاريخ البشري هو الغزو الفكري و الحرب على اللغات و الأديان ، و في هذه المغازي ما تقدمه لشعبك من العون و تحسبه قليلا هيِّنًا قد يكون سببًا لظهوركم على عدوكم ، و حينما نتحدث عن الغزو الفكري لا ننسى كيف كانت بداية الإسلام في مكة ، و ما الطرق التي سلكها النبي الكريم – صلى الله عليه و سلم – لنشر الدين ، فهو لم يحمل عليهم سلاحا ، و لكنه اكتفى أن يدعو أحدهم ليسلم ، و هذا الواحد – بطبيعة الحال – سيكون له تأثير قوي في مجتمعه و دور عظيم .
 الاستناد إلي الوقائع التاريخية يظهر من خلاله أنَّ أقوى سلاحٍ لأمة ضعيفة تحاربها أمة متقدمة و قوية يكون باستعمال أضعف الأدوات في ساحة المعركة ؛ لأن قوتهم تتضاءل و تضمحل أمام قوة خصمهم ، و لئن لم يخترعوا وسيلة أخرى يتغافل عنها عدوهم ما ثبتت لهم قدم أبدا ، لماذا أمليتُ عليك هذه المقدمة الشاردة ، و الضاربة في أعماق الحقب البعيدة حتى أستحضر لك واقع الإسلام في بداية سيره إلي بر العالم قاطبة ؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نستضعف موقفنا أمام مهمتنا و هدف حياتنا ، لا ينبغي لنا أن نلوذ بالجبن و الخَور (٢)  و نستسلم لعدونا بمجرد سطوته و قوة بطشه ، و الواجب علينا أن يكون لنا رؤى و تصورات مختلفة ، فإن لم نقدر على إمساك العصا بوسطها فلن نجزع أن نتمسك بطرفها ، فإن الشيء الذي لا يدرك كله لا يترك كله .
أشعلتُ في قلبي شعلةَ أملٍ منذ قديم الزمان أن أرى سيرًا حثيثًا و وميضَ عملٍ و إن قَلَّ من الباحثين القمريين في مجال تعليم العربية و نشرها ، كأن ترتكز الفكرة في إنشاء المراكز العديدة المتخصصة في العربية ، و تكون هذه المراكز منتشرة في شتى المدن و القرى ، لأن افتتاح مركز ليس مساويا افتتاح مدرسة إن كنا نقول إن افتتاح المدارس يحتاج إلي نفقات طائلة ، فإن المركز فكرة بسيطة لا يُحوجك إلي كلفة كبيرة ، و مع ذلك لا نجد في ساحتنا الفمرية من يقومون بذلك إلا أقل القليل ، وقد علمنا بلاء الشعب الجزائري أيام الاحتلال الفرنسي حين أرادوا أن ينشروا العربية ، فإنهم كانوا يدرسونها في المساجد و المراكز  و لم تطمئن نفسُ المحتل لهذه الفكرة و أوقفها باستمرار ؛ لعلمهم نتيجة هذا العمل و مغبة هذا الفكر  ، لكنهم صمدوا و لم يجزعوا ، هذا الشعب الجزائري ، و نعلم – يقينا – الفارق الكبير بيننا و بينهم  ، لأننا – علي الأقل – يُسمح لك أن تفتح مركزًا أو مدرسة و لن يقف أحد عائقا أمام مرادك ، و لكننا شعب اعتدنا الموطن السهل ، و لا نريد أن نكافح.
إنَّ النداء الهام في وطننا أن ندعو الباحثين المستعربين إلي التمسك بهدفهم الأسمى ، و أن ينشغلوا به ، و أن يولدوا الأفكار التي تدفعهم إلي الأمام و التجارب ، و أن لا يتركوا الساحة خالية من المدافعين الذائدين ، ليتيحوا لغيرهم الفرصة أن يصنعوا قدراتهم ، و يحققوا إنجازاتهم .

 

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر

________________

١ – الحجا – بكسر أوله – هو العقل الراسخ

٢- الخور هو الضعف ، و خارت قواه ، أي : ضعفت