العوامل التي أضعفت العربية في جزر القمر

الاستطلاع على قوائم الخريجين في البلدان العربية من أبناء جزر القمر تجدهم كثيرين ، و لكنك إذا سافرت إلى البلد لا تلحظ تأثيرا كبيرا للغة العربية في المجتمع القمري ، و إذا أمعنت التظر في هذا الجانب علمت أن الباحثين القمريين المستعربين أكثرهم – على الأقل – لديه اللغة الفرنسية يتقنها و يجيدها كلغة أولى له بعد لغته الأم ، فـتكون ممارستُه العربيةَ مع مجتمعه قليلا ؛ لأن أكثر الناس على منهاج اللسان الفرنسي ، و لكن لماذا نذلل أنفسنا – نحن المستعربين – و نخضع لخصمنا ؟ !
 لماذا لا نجد في المحافل التي تعقد في البلاد و في الاجتماعات العامة مََن يلقي خطابه بالعربية ؛ لأنه مُتَحدِّثٌ بها و يعتز بها كما يفعل إخوانُهم المتحدثون بالفرنسية ، هل رأيت منهم مَن حاول أن يُلقي خطابًا باللغة العربية في مكان ما ؟ !
إنهم يفتخرون بفرنسيتهم لدرجة أنهم لا يتنازلون عن التحدث بها و لو قيد أنملة ، فلماذا لا تسلك أنت – أيها الباحث القمري المستعرب – طريقتَهم في الاعتزاز  ؟
قد تقول لي : إني إذا تحدثتُ العربية فلن يَفهمني الحضورُ و لن أَلقى آذانا صاغية لاستماع إليَّ ، سأقول لك : أنت مخطئ في قولك ؛ لأنه من المُسَلَّم له أن  الشعب القمري لا يتحدث الفرنسيةَ كلُّه ، بل نسبةٌ منه هي التي تتكلم بها ،  مع ذلك إذا ألقى أحدهم خطابا بالفرنسية سواء كان وزيرا او رئيسا أو غيرَهما فإن الذي لا يتحدث الفرنسية يلتمس من يتكلمها و يُفهمه الكلام الذي قيل ، أنا متيقن أنك لو ألقيت خطابك باللغة العربية يتسابق الناسُ لمعرفة قِيلِك و هذا يرفع شأنَ العربيةِ في البلاد و مَن يتكلمها .
و مما يُتأسف عليه أن تجد الباحث القمريَّ في المواقع التواصلية كالفيسبوك و غيره ينشر باللغة الفرنسية ، و جُلَّ شؤونه مُعَبَّرة بالفرنسية حتى إنَّك لتخاله لا يعرف العربية و هو في العربية ذو مكانة و شأن ، و هذا أخطر الأمور ؛ لأن الذي لم يتعلم العربية لن يوطِّن في نفسه عزيمةً لتَعَلُّمِ لغةٍ ليس لها مجالٌ و لا ساحةٌ في مجتمعه ليَتحدَّثَها ،  و حُجَّته تكمن في كلمة واحدة ، يقول لك : إن الذين درسوها لا يتحدثونها ، فكيف تطلب مني أن أتعلمها ؟ !
و هذا تثبيط للمبتدئ الذي عزم على أن يُقبل على العربية ؛ لأنه لا يجد مَن هُم في مجاله يُدردش معه بالعربية ليُطَوِّر مهاراته اللغوية و يوسعَ دائرةَ معرفتِه ، و سيظل منحصرًا في دائرة ضيقة محدودة ، و هذا يُصرفه عن عزيمته رُغمًا عنه .
أقول إنه ينبغي للمستعربين القمريين أن يكثروا من التحدث بالعربية في الشبكات العنكبوتية و في داخل البلاد ، و أن لا يخضعوا للفرنسية السائدة في البلاد ؛ لأن وقوفهم معهم و التَّكَلُّمَ معهم بالفرنسية هو تَقويةٌ للفرنسية و ليست العربية ، و هذا تَضْعيفٌ للعربية و ليس توهينًا للفرنسية ، لو أصبح لدينا خطابان في محافلنا أحدهما للذين يدعون إلى مبادئ الغرب و لغتهم و الآخر خطاب للمستعربين لكان للعربية منذ أمد بعيد ذاتُ مكانة مرموقة في المُجْتَمَع الفَمريِّ.
نريد أن نُكسر الحاجز و نتخطى المفاهيمَ التي زُرعت في الأذهان بأن العربية هي لغةٌ للدين فقط ، و بهذا النَّظَر القصور تبقى العربيةُ في المحاريب و في الدروس الدينية فقط ، و لا تتخطى إلى الشوارع العمومية و إلى الدهاليز الضيقة في البلاد ، نريد أن يَعلَمَ الناسُ أنَّ العربيةَ لغةُ دِينٍ و حَديثٍ يوميٍّ ، هي لغة كاللغات العالمية ، يَتَحدَّثُها الناسُ في أيِّ مَكانٍ ، و لكنَّ اللهَ شَرَّفها حين أنزل كتابَه بِها و بعث رسولهَ في أهلها .
أقول لك هذا ؛ لأنني ابن بيئتي ، و قد شاء اللهُ أن أَخرُجَ من باديةِ القومِ حتَّى أَعرِفَ ما عندهم مِن مفاهيم فاسدةٍ ، أعرف أن أهل البوادي يعتقدون أن العربية بمنزلة القرآن ، فكل ما كُتِبَ بالعربية فهو مُقَدسٌّ عندهم لا يجوز الحَطُّ عنه ، و هذا الفهم خطير جدا ، و تجب مقاومته ، و ليس لنا سبيل إلا إذا صارت العربية لغةَ حديثٍ كالفرنسية في بلادنا.

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر