السلوك اللغوي و تأثيره في الفرد و المجتمع

إنَّ ما تقضي به العجبَ إذا نَفَذَ إلى أسماعك ، و وعاه فؤادُك أنَّ سلوك الفرد منَّا قد يتغير تَبعًا للغة التي يتحدثها ، إلا إدا وُجد سلطانٌ أعظم و أقوى من سلطان اللغة ، و هذا السلطان لا يكون إلا سلطانَ الدِّين ، فهو الذي يمنعك من سلوكٍ غيرِ مَرضيٍّ يتعارض مع المبادئ ، و قد تكلم علماء العربية عن طبائع العرب من خلال نصوص لغاتهم ، استنطقوها و اكتشفوا غوارها ، و كان في هذا الجانب عنايةٌ خاصة لعلم التصريف ، فهو علم مبنيٌّ على السلوك ، فيه تَلمَس دماثةَ أخلاق العرب ، و خشونةَ أخلاقهم .

هذا الذي قصصتُ عليك يشدُّك إلى بحر لُجِّيٍّ من السلوكيات في مجتمعنا القمري لا ينتمي لنا و لا لديننا ، تأمَّل قليلا لترى أن أكثر متحدثي الفرنسية في البلاد تتماشى أخلاقهم مع السلوك المتمثل في اللغة الفرنسية ، حتى إنك لم تعد تدري أفرنسي هو ام غيره ؟ إلا من اعتصم بحبل الدِّين و خلقه الكريم .

إن المحتل الغاشم استطاع أن يفرض علينا لغته من خلال تدريسه لنا إياها ، و كان على علمٍ أن الأداة اللغوية سوف تقود الأجيال القادمة إلي حيث أراد و خَطَّط ، و لو أراد أن يفرض على أجدادنا سلوكه المنحرف و خلقه المعوج فرضًا ما كان بمقدوره أن يفعل و لا أن تنجح خططته ، و لكنَّه رَسَم و نَظَر إلى المستقبل البعيد ، و لم يأبه بالحاضر الذي أعجزه.

و في هذا المضمار قام أحد علماء اللغة الأمريكي من أصول يهودية و عمل دراسة قيمة ، و استنتج أن اللغة تمثل جانبا كبيرا من جوانب السلوك الاجتماعي ، و أنك إذا أردت أن تعرف خلق مجتمع فانظر إلى لغته ، و صنف مؤَلفًّا قَيِّما تُرجم إلى العربية باسم ” عبر منظار اللغة ” قال في كتابه هذا : إن المجتمع الإيطالي أخبث المجتمع خلقًا و سلوكًا و أثرُ ذلك في لسانهم ؛ ذلك لأن لغتهم التي يتعاملون معها في الشوارع و الأسواق مليئة بالألفاظ الخبيثة المشينة التي تخدش الحياء ، و لولا أن هذا في سلوكهم ما وُجد في لغتهم ، و بفضل الله – تعالى – ثم حكمة العرب و تَخيُّرهم أحسن الألفاظ أنهم كانوا يوارون الشيء المستقبح بأحسن الألفاظ حتي إنه ليُتخيل إليك أنه شيء عظيم ، و من ذاك أن كلمة ” المرحاض ”  تطلق على المكان الذي تُقضى فيه الحاجة ، و إنهم تَعافوا استعمالها فقالوا موارين لها ” دورة المياه ” و ” الحمَّام ” و غير دلك ، و منه أيضا قالوا : الغائط ، للعذرة ، و إنما الغائط في أصل لغتهم هو المتمكن من الأرض عند قضاء الحاجة ، و لذلك جاءت أخلاقهم حسنة ، و ما رأيت من تعلم العربية و تأثر بها إلا أخذ جانب من جوانب أخلاق العرب و اعتنق طبعا من طبائعهم ، و رضي الله عن الإمام الشافعي لمَّا قال : مَن تعلم العربية رقَّ طبعُه .

و قد صوَّر العالم الأمريكي ذاك أن عقل الشعب على قدر مستوى لغتهم ، و ضرب مثلا للفرنسية إذ قال : الفرنسيون لا عقل لهم ؛ لأن العقل في اللغة الفرنسية ليس له مصطلح معروف ، و إنما يُطلقون عليه أحيانا لفظ الروح و آخر الفكر ، و عبقرية العربية فائقة في هذا الجانب ؛ إذ ما من شيء إلا وضَعَتْ له العرب مصطلحا ، بل إن المخترعات الحديثة خين يَرجع الناس إلى تسميتها في العربية يجدون أن العرب قد تكلموا بمثل هذه المعاني من قديم الزمان و لم يكن عندهم العلوم الحديثة ، و العربية هي أقدر لغة في العالم تمثل هذا الجانب.

بهذا الذي نقشتُه لك بان لك أن القدماء كانوا حكماء جدا حين رفضوا أن يعلموا أولادهم ألسنَ غيرهم إلا لهدف و بعد تعلُّمِه دينَه ، و أعظمُ هدفِهم كان نشرُ دينهم ، و تعريفُ الناس لسانَهم و شرائعَهم ، من أجل ذلك ترى أننا – الشعب القمري – لن يحدث لنا تقدم ما دمنا نرسل أولادنا منذ نعومة أظفارهم إلى المدارس الفرنسية لتعلم الفرنسية و هم جاهلون عن مبادئ دينهم و عادات بلادهم ، و لن نتقدم أبدا إن لم يكن هناك معاهد حكومية و خصوصية تهتم بغير الفرنسية من اللغات كما يهتم الناس بالفرنسية ، و وقتَ ترى أن الإقبال على تعلم الفرنسية قد قلَّ ، و انقطع الناس عنها ،  يستبدلون غيرها بها ، فـأَبشِر ببزوغ فجر يومٍ جديد ، و سطوع شمس يوم جديد ، و انكشاف الغيوم التي تراكمت سنوات من الظلم و الاضطهاد .

إن عدونا حكيم ، و ما من دولة من الدول القاهرة سيطرت على بلد إلا أسرعَت في نشر لغتها بين ربوع المجتمع ، و لم يكن ذلك عبثا ، و لكنَّني في سؤال دائم مع نفسي : متى تدرك ساستنا و قيادتنا هذه الحقيقة الغامضة ؟ !

ثم أقول : إنه لا يرجى ممن تشرَّبت ثقافته وفِكَرُه و رُؤاه من ثقافة عدوه و فكر عدوه و رؤى عدوه لا يرجى منه أن يأتي بما يخالف ما استقر عنده أبدا.

 

عفيف إسماعيل يوسف  

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر