لماذا يصبح الحوار مستحيلا مع نظام غزالي في جزر القمر

 جملة من استفهامات حول مقتطفات من أطروحات بدأت تلوح بالأفق في الآونة الأخيرة والتي انتشر صداها في جميع الميادين السياسية  وفي الوسائل الاجتماعية بعد طلب وزير التربية والتعليم السابق ومدير عام الإذاعة والتلفزيون الوطني المجتمع المدني في مرسيليا للتوسط  لدى القوى السياسية لإيجاد أرضية مناسبة للحوار بين اطراف النزاع  في أرخبيل القمر لإيجاد حلولٍ للأزمة السياسية المستعصية  و التي تعصف بالبلاد منذ تزوير نظام غزالي الانتخابات في شهر مارس من العام الماضي ،
مطلب تكرر في الأذهان مراتٍ عدة دون أن يوجد هنالك من يصغي إليه ، نظرا لفقدان النظام الميزة السياسية والأخلاقية التي تسمحان له تقديم مثل هذه المبادرة ، بسبب تصرفاته الشنيعة والإرهاب المنظم الذي تمارسه الأجهزة الأمنية والقضائية التابعة له ،
ليأتي أخيرًا الوزير السابق للتربية والتعليم التابع للنظام ليعلن عن رغبة الحكومة للحوار مع القوى السياسية في البلاد، غير أن السؤال الأهم قبل الخوض في تفاصيل الموضوع ، هو التوقيت بالذات الذي اختاره النظام لطرح المبادرة الجديدة ، وكذلك الآليات ، و أرضية الحوار ،
ثم نأتي لنتطرق حول ما إذا كان بالفعل نظام غزالي يملك الجرأة اللازمة لتهيئة  المناخ  المناسب للقاء بين المعارضة  والنظام في مائدة مستديرة لمناقشة القضايا العالقة بين الجانبين ،
فوفقًا للمحللين السياسيين ومتابعي الأوضاع الحالية في البلاد فإن أطروحات نظام غزالي حول إمكانية التوصل إلى تسوية الخلافات السياسية عن طريق الحوار ماهي الا مجرد أوهام  و محاولة أخرى من النظام لاستهلاك الوقت وتحويل أنظار بعضٍ ممن لا يتفهمون اللعبة السياسية الدائرة حاليًا في البلاد، لاستعمالهم كأبواق تابعة  له وتصوير رأس النظام كرجل محب للسلام والاستقرار ، وذلك من أجل ترويج مقاصد سياسية بعيدة المنال ، حيث يعلم النظام علم اليقين أنه من المستحيل تحقيق مبادرة سياسية بهذه الطريقة ، إذ ليست باستطاعته تهيئة مناخٍ سياسي ملائم يسمح لحوار جدي وعلني يقضي بإطلاق سراح المسجونين السياسيين في البلاد ولا حتى الموافقة على محاكمتهم  محاكمة علنية  وهذا بالطبع مما زاد سخونة الوضع ، هذا أولا
ثانيا : ليس باستطاعة النظام سماح المعارضين السياسيين الموجودين في الخارج بالعودة وبدون شروط مسبقة  إلى البلاد لتمهيد الطريق نحو الحوار المذكور دون المطاردة من قبل السلطات لأن هذه السيناريوهات والإهانات تكررت كثيرا حيث انتشرت في جميع منافذ الدولة وفي الدوائر الأمنية وكذلك المخابرات العامة سلسلة من كشوفات تتضمن  اسماء غير مرغوبة بها داخل أرض الأرخبيل بحجة السعي لزعزعة استقرار النظام ، كما مُنع من السفر العديد من السياسيين وكثير منهم تحت الإقامة الجبرية ،
ثالثًا : لا يمكن بأي حال من الأحوال إعادة مؤسسات الدولة على ما كان عليها من ذي قبل من استقلالية وعودة المليشيات و الجيش إلى ثكناتهم  وممارسة  أعمالهم حسب القوانين والأنظمة المعمول بها ،
فماذا يعتقد نظام غزالي من خلال فكرة الحوار السياسي المطروح على الطاولة ؟ وماذا في جيبه من جديد يزمع طرحه كورقة مساومة في القضية عندما يتعذر للنظام من تمثيل هذه الشروط الثلاثة السالفة الذكر  ؟
فمن وجهة نظر متابعي الحالة النفسية  للنظام فإن الكبت السياسي التي تشهده البلاد هو الذي أرغم النظام لطرح الفكرة باعتبار أن السكوت المخيف الذي يخيم عليه المشهد الحالي يشكل رعبا حقيقيا في أروقة النظام خاصةً بعد زج المزيد من معارضة الداخل في السجون وإدخال البلاد في قفص حديدي، فهذا الوضع بالطبع غير مأمون من انفجار لربما يهز النظام بالكامل من الداخل ، بالتالي فوفقا للمحللين فإنه من مصلحة النظام تقريب المسافات بينه  وبين المعارضة  ولو شكليًا لعله يخفف بقدر مّا هذا التوتر ، مع الحذر الشديد من تنازلات جوهرية يصب لمصلحة المعارضة ، حيث الآفة الحقيقية التي يخشاها النظام ، إذ اعطاء الفرصة للمعارضة للعودة من جديد على المسرح السياسي ستكون كارثة محققة للنظام بسبب الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها خلال السنوات الثلاث الأخيرة ،
 بالتالي يرى المراقبون أنه ليس في جيب النظام  أي جديد يزمع  تقديمه في حال ما اذا وافق المعارضة الدخول في مائدة الحوار ، غير المراوغة السياسية  لكسب الوقت وإعطاء قدر من الشرعية لتصرفاته السابقة ، من هنا كان الغرض من هذا الطرح أمرين أساسيين ،
أولًا : محاولة اختبارٍ لنفسية المعارضة  والنظر في كيفية  تفكيرها حتى الآن بعد سنتين كاملتين من الاحتجاجات في شوارع باريس والمدن الباريسية الكبرى وهذا واضح من خلال التوقيت بالذات التي وصل به الوزير السابق إلى مدينة مرسيليا حيث حظر التجوال بسبب جائحة كرونا أرغم كثير من الناشطين التزام بيوتهم ظنا من النظام أن الموضوع قد انتهى وبات في وسعه استتباب الأمور إلى مسارها الطبيعي ،
ثانيًا : محاولة إمالة بعض النفوس الضعيفة ممن تسمى بالمعارضة التي ربما يعتقد النظام أنها يئست من المعركة الطويلة التي لم تأت حتى الآن بالنتيجة المرجوة وإغرائهم بالانشقاق والعودة للبلاد لاستعمالهم كورقة تمثيلية  للمعارضة  في الخارج بعد المحاولات المشابهة التي لم تفلح في شق صفوف المعارضة
غير أن الاستقبال الذي حظي به الوزير المذكور انعكس على طموحات النظام ، كما حمل رسالة واضحة مفادها أن ليس هناك مجالًا للعودة للوراء في حال استمرار نظام غير منتخب فوق مقاليد السلطة في أرخبيل القمر ،
والله غالب

يوسف علي امباي

أكاديمي وباحث في المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية-باريس

 

كل الآراء الواردة في المقال يتحمل الكاتب فقط كامل مسؤوليتها