القاتل العادل ومُتعة التائهين

 الوقت كالسيف عاث فينا فتكاً بلا رحمة ولا رويّة، ارتوى من دمائنا وماءنا ثم سقانا الويلات تباعاً.. كل يوم نتوق لبصيص ضوء في آخر كهف الرعب الذي صرنا فيه سكان وغرباء، مذنبين وضحايا..
نعم صار العالم كله عبارة عن كهف  رعب تفوح فيه رائحة البلايا والأوبئة، تغيرت الحياة بين ليلة وضحاها من سيء لأسوأ وانقلبت الموازين بشكل لا يستوعبه عقل وكأنه كابوس يقضي على مضجع عجوز وحيد ومكتئب..
 كوفيد19_قاتل عادل للغاية.. لم يفرّق بين غني وفقير ولا بين بعيد وقريب ولا بين عالم وجاهل ولا بين عربي وأعجمي ولا بين صالح وفاسد.. كل الناس في ميزانه سواسية.. يباغتنا من حيث لا نحتسب، يأتينا من كل الجهات، صرنا نتوجس فنفر من بعضنا خوفاً وحذراً، نرى صورته تخرج من كل شيء حولنا؛ من المرايا والهدايا  و التحايا.. من التلفاز والنوافذ والشوارع والمؤسسات وحتى المساجد .. من الحكايات والأمنيات والكتب.. صارت الحياة لنا كأنها فيلم رعب من أفلام هوليود الناجحة جداً جداً .
ورغم ذلك لم تتعظ البشرية أبداً، فمتى نستوعب الدرس و نفهم الإشارة؟؟ .. فما زالت تستشري الأحقاد والأنانية والآثام والغل والشرور والظلم والجرائم بكل أنواعها،
لن تتغير الأحداث إن لم نتغيّر من داخلنا ونُغيّر ما بأنفسنا، فطوق النجاة الوحيد هو أن نؤمن بأن ماصرنا إليه إنما هو إشارة من عند الله علينا أن ننتبه لها جيداً ونفهمها.
هو امتحان يجب أن نجاهد أنفسنا ونجتهد لننجح فيه ونكون أرواح عظيمة تتجلى عظمتها حين تسلك سبل الحق والهدى وتعود إلى رشدها مليئة بإيمانها المطلق بالله العلي العظيم وبقضائه وقدره وبأن كل شيء يحدث لنا يكون وراءه خيراً وفيراً لو نظرنا إليه بنظرة تفاؤل إيمانية ومحبة وعمل خالص مخلص، فنحن من نختار إما النجاة و إما الاستسلام للحضيض .
( الكاتب المُجيد الأستاذ قاسم أحمد حسن في كتابه ( مُتعة التائهين) الرائع الغني بالفوائد عن التنمية وتطوير الذات يقول : كما في الامتحان المدرسي نعطى القلم، فإننا في امتحان الحياة نعطى الجسد.. فكما نحن في الجوهر لسنا بقلم وإنما الأفكار التي تحرك القلم! كذلك في الجوهر نحن لسنا بجسد إنما نحن الأرواح، الأرواح الخالدة التي تحرك الجسد في رحلته الأرضية والتي تعينه في امتحانه الأرضي، إن إدراك عمق حقيقة أرواحنا الخالدة كفيل بأن يجعلنا نتسامى فوق مخاوفنا و أوهامنا، وكفيل بأن يجعلنا ننعم بالاطمئنان والثقة، وندرك كذلك عظمة وجودنا.
عندما تغمرنا حكمة الروح سنشعر بالثقة والسلام والطمأنينة لأننا برعاية ورحمة كونية تامة وإننا دائماً ما نتلقى رسائل ووسائل مساعدة وإرشاد، ليس لأننا ذوو أهمية قصوى للوجود بل لأننا جزء أصيل من هذا الوجود العظيم.
الأرواح العظيمة  تدرك أن اللحظات القاسية هي التي تصنع الإنسان بشرط التصالح معها والامتنان لها وإعلان البهجة والسلام على القادم.
الأرواح العظيمة تدرك أن كل ما يحدث لها هو باختيارها وتدرك أنها في كل لحظة تمتلك خيارات التطور و التشافي ) .
وهكذا صرنا نرى ذلك القاتل يشاركنا حتى تفاصيل الخيال و التفكير فيما نقرأه من مواضيع وما نكتبه وما نرسمه.. كأنه جزء منا فارضاً نفسه بقوة على وجودنا وبإصرار.. فهل نستمتع  بتوهاننا  فيه معه ؟ أم نصحو من غفلتنا لننجو منه ؟؟؟  فالوقت يداهمنا.

 

بقلم / نهى ابراهيم سالم