دقيقة نحوية علاجية في النظام التعليمي في الأرخبيل القمري

لا نألو جهدا – و لله الحمد – أن نحث على تعزيز شأن العربية في المستوى الجمهوري في البلاد القمرية ،و لكننا في الوقت نفسه نتناسى ما هو أهم من ذلك : إن النظام التعليمي لا يعطي ثماره إلا في ظل وحدة اجتماعية متماسكة ، يَفشا فيها الودُّ بين أفراد ساكنيها ، و في البلاد القمرية قد زرع المحتل الغاشم البغضَ في أبناء الجزر ، فلست تشعر بالوحدة الموحَّدة الحقيقية إلا للمصالح فقط ، و هذا الذي ينبغي لنا أن نحاربه و ننزعه من قلوب الناس ، حتى نكون يدًا واحدة على عدونا ؛ لأنه إذا اجتمعت أفكارنا ، و رؤانا ، و تحليلاتنا و انسجمت ينتج لنا جميع ما نبغي من أهداف هادفة ، و لنعلمْ أن الله هو الذي قال ( إن الله لا يُغيِّر ما بقَومٍ حتَّى يغيروا ما بأنفسهم ) و لكن إن ظللنا على خطى العدو نسير ، و على آثاره نرتدُّ ، فأيقنوا بأن النداء سيظل مستمرًّا ، و لن نجني وراء ذلك إلا صوتًا يعلو العنان و لا يُنزل لنا من المزن شيئًا مثمرًا .
إذا نظرت إلى واقعنا القمري ، و إلى طبقات مجتمعه : من السياسيين إلى دونهم ، رأيت كيف هم في صراع دائم في تحقيق مصالح فردية و كأنهم في ذلك ما نسميه في علم الإعراب ” التنازع ” و هو : أن يتنازع عاملان في معمول واحد كقولك : رأيت و كلمت عَمرًا ، فـكلٌّ من ” رأيت و كلمت ” يسعى ليكون ” عمرو ” من حظه في المفعولية ، و لا يمكن أن نسلطهما عليه معا ؛ لأنه غير متجزء حتى نجتزئه لهما ، فلا بد أن يُوجَّه العملُ فيه إلى واحد منهما ، و عليك أن تعلم أن لا خلاف بين العلماء في إعمال العاملين في الاسم المتنازع فيه ، لكنهم اختلفوا في أولى الاسمين في العمل ، فكان علماء مدرسة البصرة يرون أن الاسم الثاني أولى للعمل ؛ لقربه منه ، و ذهب الكوفيون إلى أن العامل الأول هو أولي في هذا الباب ؛ لتقدمه ، فمن هاهنا يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال مفاده : إذا أعملنا أحد العاملين فكيف نصنع بالآخر ؟
جـ : إذا أعملت أحدهما في الظاهر و أهملت الآخر عنه ، فـأعمِلِ المهملَ في ضمير الظاهر ، ففي المثال الذي مضى إذا أعملت فيه الأول قلت : رأيت و أكرمته عمرا ، فـتأتي بضمير في الذي لم يعمل في الاسم الظاهر ، و إن كان الثاني هو المعمول في الاسم قلت مثل الذي قلتَه في الأول ، و هذا الضمير يجب التزام ذكره إن كان مطلوب العامل مما يلزم ذكره و لا يجوز حذفه ، كالفاعل و نائبه نحو قولك : ينعم و يتصدق أخواك ،  فـكلٌّ من ” ينعم و يتصدق ” يطلب : أخواك ” فاعلًا له ، فإن أعملت الثاني وجب أن تضمر في الأول ، فتقول : ينعمان و يتصدق أخواك ، و إن أعملت الأول أضمرت في الثاني ، قلتَ : ينعم و يتصدقان أخواك ” و لا يجوز لك أن تقول : ينعم و يتصدق أخواك ، بترك الإضمار ؛ لأن ذلك يؤدي إلى محظور و هو : أن ترك الإضمار يؤدي إلي حذف الفاعل ، و الفاعل عمدة في الجمل لا يُحذف منها ، و يجب التزام ذكره ، لكنَّ الإمام الكسائيَّ – رحمه الله – أجاز ذلك بناءً على مذهبه في جواز حدف الفاعل ، و ذهب الفراء إلى جواز توجيه العاملين معا إلى الاسم الظاهر ، أي : أن الفعلين عملا في الاسم الظاهر ، و هو فاعل لكل من الفعلين ، و في هذا يقول صاحب الألفية – رحمة الله عليه – :
و أَعمِلِ المهملَ في ضمير ما  ::  تنازعاه و التَزِم ما التزما
كـيحسنان و يسيء ابناكا  ::  و قد بَغى و اعتديا عبداكا
و لا تَجيء مع أوَّلٍ قد أُهملا :: بمضمرٍ لغير رفعٍ أُوهلا
بل حذفه الزَم إن يكن غير خبر :: و أخِّرَنْه إن يكن هو الخبر
و يشير في البيتين الأخيرين إلى أنه إذا كان مطلوب الفعل المهمل غير مرفوع فإما أن يكون عمدة في الأصل و هو مفعول ظن و أخواتها ؛ لأنه مبتدأ في الأصل أو خبر ، و هو معنى قوله ( إن لم يكن هو الخبر)  فإن لم يكن كذلك ، فإما أن يكون الطالب له هو الاول أو الثاني ، فإن كان الأول لم يجز الإضمار ، فتقول : ضربت و ضربني عليٌّ ، و تقول : مررت و مر بي بِشرٌ ، و لا تضمر ، فلا تقل : ضربته و ضربني عليٌّ ، و لا : مررت به و مر بي بشر ، و جاء مثل هذا في الشعر كقوله  :
إذا كنت ترضيه و يرضيك صاحب :: جهارا فكن للغيب أحفظ للعهد
و ألغ أحاديث الوشاة فقلَّما  :: يحاول واشٍ غير هِجران ذي ود
و إن كان الطالب له هو الثاني وجب الإضمار تقول :
ضربني و ضربته أحمدُ ، و مرَّ بي و مررتُ به عمروٌ ، و لا يجوز لك أن تحذف الإضمار ، فلا تقل : ضربني و ضربتُ أحمدُ ، و لا : مر بي و مررت عمرو ، و جاء مثل ذلك في الشعر ، كقول الشاعر :
بعكاظ يُغشي الناظرين ::  إذا همُ لمحوا شعاعُه
و كان القياس أن يقول :
لمحوه
و هذا الذي ذُكر هو غير المرفوع و ليس بعمدة في الأصل ، أما إن كان عمدة في الأصل بأن كان أصله مبتدءًا أو خبرًا ، و كان الطالب له هو الأول وجب إضماره مؤخرا ، فتقول : ظنني و ظننت زيدا قائما إياه ، و إن كان الطالب له هو الثاني أضمرته – سواء كان متصلا أم منفصلا – كقولك : ظننت و ظننيه زيدا قائما ، أو : ظننت و ظنني إياه زيدا قائما.
أما إذا لزم من إضمار مفعول الفعل المهمل عدم مطابقته لما يُفسره لكونه خبرًا في الأصل عما لا يطابق المفسِّر وجب إتيان بمفعول الفعل المهمل ، كما إذا كان في الأصل خبرًا عن مفرد و مفسره مثنى ، نحو : أظن و يظناني زيدا و عمرا أخوين  ) فـ ” زيدا ” مفعول أول لأظن ، و ” عمرا ” معطوف عليه ، و ” أخوين ” مفعول ثان لأظن ، و الياء : مفعول أول لـ ” يظنان ” فيحتاج إلى مفعول ثان ، فلو أتيت به ضميرا فقلت : أظن و يظناني إياه زيدا و عمرا أخوين ، لكان ( إياه)  مطابقا للياء في أنهما مفردان ، و لكن لا يطابق ما يعود عليه و هو ” أخوين ” لأنه مفرد ” و ” أخوين ” مثنى ، فتفوت مطابقة المفسر للمفسَّر ، و ذلك لا يجوز ، و إن قلت : أظن و يظناني إياهما زيدا و عمرا أخوين ، حصلت مطابقة المفسر للمفسر و ذلك لكون ” إياهما ” مثنى و ” أخوين ” كذلك ، و لكن تفوت مطابقة المفعول الثاني الذي هو خبر في الأصل للمفعول الأول الذي هو مبتدأ في الأصل ؛ لكون المفعول الأول مفردا و هو الياء ، و المفعول الثاني غير مفرد و هو ” إياهما ” و لا بد من مطابقة الخبر للمبتدأ ،فلما تعذَّرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار ، تقول : أظن و يظناني أخًا زيدا و عمرا أخوين ، فـ ” زيدا و عمرا أخوين ” مفعولا ظن ، و الياء مفعول ” يظناني ” الأول و ” أخا ” مفعوله الثاني ، و لا تندرج المسألة حينئذ في باب التنازع ، بل قد خرجت منه ؛ لأن كِلا العاملين قد عَمِل في ظاهر ، و بهذا قال في الألفية  :
و أَظهِر إن يكن ضميرٌ خبرا  :: لغير ما يطابق المفسِّرا
نحو أظن و يظناني أخا  ::  زيدا و عمرًا أخوين في الرخا
و هذا ختام التنازع ، و أرجو من الله أن يكون ختام التباغض بين شعب الأرخبيل القمري  ، و أن يوحِّد صفوفنا ، و يؤلِّف بين قلوبنا ، اللهم آمين   !

عفيف إسماعيل يوسف 

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر