سحر البيان في تائية شيخ شعراء السودان

بلاغة التعبير وحصافته، رقة المعاني واكتمالها، رجاحة العقل وذكاءه وسرعة البديهة، الحكمة البالغة والإحساس الرفيع في قلب عامر بالتقوى والإيمان،… كلها صفات يشير سهمها لشيخ شعراء السودان عبدالله الشيخ البشير الذي ولد في جزيرة أم دَرَق بالمديرية الشمالية (1928_1994م(
والتي تميزت بكثرة علمائها،
تدرج شاعرنا في المعاهد العلمية حتى وصل إلى جامعة الأزهر الشريف.. وجامعة عين شمس..
وتنقل للعمل في عدد من الوظائف السامية داخل السودان.. ونال وسام الآداب من جامعة الخرطوم، والوسام الذهبي من الدولة للعلوم والآداب والفنون، كما كانت له مشاركات رائعة خارج السودان،
أروعها في تلك الليلة الثقافية في قاهرة المعز بحضور رئيس وزراء مصر (د/ فؤاد محيي الدين) في عهد الرئيس محمد أنور السادات، وقد قدمه مذيع البرنامج بصورة هشة مقللة منه بعكس ما كان يقدم به بقية الشعراء متفانياً في وصف أشعارهم،
فقد اكتفى بقوله : والآن مع عبد الله الشيخ البشير من السودان.. هكذا بلا كلفة ولا تقدير له بأنه شاعر، ولكن الشيخ الذي كان فاقداً للبصر وقتها بسبب مرض السكر صعد بثبات للمسرح ببصيرة ثاقبة ولقّنه درساً ظل منقوشاً على صفحات التاريخ عندما ابتدر قصيدته :
على حد السنا أمْهيت سيفي
فرَّفت شفرتاه كما ابتغيت
فما تمالك أحد الشيوخ الأزهريين نفسه وهو يصيح: (يااااااه!! اسمعوه يقول أنه سنّ سيفه على حد الضوء!! أعد أعد يا شيخ).. وضجت القاعة بالتصفيق وعبارات الاعجاب حتى أكمل الشاعر القصيدة، فينهض رئيس وزراء مصر تاركاً قواعد البروتوكول والحماية المفروضة وصعد إلى المسرح مبتهجاً قائلاً للشاعر بالمايكروفون: (لقد أثبتّ لنا أنك المبصر الوحيد بيننا) .
_____________________
إنها قصيدته التائية الشهيرة “البحث عن بيت شعر” والتي صارت حتى يومنا هذا قبلة الشعراء والمهتمين والعلماء للتدارس والتحليل والتباهي والانبهار وهي :
علي حدِّ السنا أمهيتُ سيفي فرفَتْ شفرتاه كما ابتغيتُ!!*
وودعتُ القرى الأولى وشيكاً وما استصحبتُ إلا ما انتويتُ *
فها أنا ذا يُعادي بي مِراحاً بشطِّ الغيبِ مِرِّيحٌ كُمُيتُ*
رصائعهُ مصابيحُ سهاري لهنَّ خواطرُ الحُذَّاقِ زيتُ*
فطاف بعبقرٍ ليلاً فهرَّتْ كلابُ الجنِّ: عِرفيتُ وشيتُ*
وطار فصاهلَ الشِعرَى فماجتْ عرائشُ من بشائرها جنيتُ*
وقد عرضتْ ليَ الأبراجُ شتَّى عِـراضاتٍ ولكنّي أبيتُ!!*
وحِرتُ فدلَّني نجمٌ لموحٌ علي مسرى قوافلِهِ سريتُ*
ولاحت لي نوافذُ باهراتٍ فجُزتُ من النوافذِ وامّحيتُ*
وأوفى بي على زبدٍ موشىً على فقَّاعِهِ طرباً مشيتُ!!*
وناداني من المجهول صوتٌ: بدأتَ وكنتُ أحسبُني انتهيتُ!!*
وصيَّرني الحنينُ إليه معنىً بلا مبنىً فغبتُ وما اختفيتُ!!*
رأيتُ اللجَّةَ الزرقاءَ ناراً من الياقوتِ فيما قد رأيتُ*
فجاشت ثم فاضت ثم ساحت جداولُ مايحتني فارتويتُ*
ولم أعِ ما أفيضَ عليَّ منها ولمّا لم أعِ الفحوي وعيتُ!!*
وحسبي أنني جمَّعتُ منها أصول فرائدٍ مما انتقيتُ*
وعدتُ وليتني ما عدتُ دهري وهل تأسو عليل الحظ ليتُ؟!*
هبطتُ وأجنُحي أدغالٌ نخلٍ إذا غنَّتْ عصافرُها انتشيتُ*
وحامت صادحاتُ النيل حولي تغلِّفها المواسمُ فاحتفيتُ*
وأعلم أنها جاءت عجالاً تُقاضي رحلتي وأياً وأيتُ*
فقالت لي نراكَ نضيرَ حقلٍ ترِفُّ ندىً فقلتُ لها ارتويتُ*
فحطتْ ثم طارت ثم قالت: تُرى ما جدَّ؟ قلتُ لها :اقتنيتُ*
وشيتُ لها وأعماقي صحاحٌ بأسقامِ الصبابةِ إذ وشيتُ*
فلما أمَّلتْ نقرَتْ رَبابي فهازجَها من الأوتارِ بيتُ!!*
_____________
________________
وهذه رؤية تحليلية متواضعة لها مني؛
ما أروعه من شاعر ، وما أروع أسلوبه الذي انتقى كلماته بعناية فائقة حوت جرس قوي وإيقاع ذي رنين رقيق وتعبير دقيق تنبعث منه قوة التأثير وتظهر من حواشيه عاطفة جياشة وانفعال جلي توافقت معانيه مع كلماته الجزلة و تلاءمت مع تعابيره الرصينة التي لا يتنبأ بها أي قارئ .. وما أجمل الشكل العام من وزن وقافية وموسيقى يبهرون من يسمع ويقرأ.. وأما خياله فيتمايل ما بين واضح بعيد وغامض قريب في تمازج غريب بين الأسلوب الأدبي الذي يعتمد على العاطفة والخيال ..والأسلوب العلمي الذي يعتمد على الحقائق العلمية والتجربة ورغم ذلك فهو بعيد عن التداخل غير المنطقي …
شيخ شعرائنا سبى فكري وحسي ودهشتي جداً بتائيته هاته فوقفت عندها طويلاً ..كيف لا وقد ابتدرها بغوايةٍ وسحر صورة .. فارس على حد الضوء يحد سيف خياله إلى أن احتدّت و رقّت شفرتاه وصارتا كما يجب استعداداً لرحلة ما عهدت مثلها قبلاً قط .. وما استصحب فيها إلا ما انتواه ليعينه على فك طلاسمها وتفاصيلها .. حتى الخيل التي أسرجها وامتطاها كانت من الجمال بمكان ..حيث وصفها بأنها_ كُميت أي انها تجمع بين الحمرة والسواد ، تعادي وتتخطى به مراحاً بشط غيب لا يدركه إلا هو ..و_مِرّيح أي شديد المرح حد الاختيال والزهو … وها هو يرى فضاءاً وحده يراه ويصفه كما ليس أحد ،مشبهاً نجومه بمصابيح لا تنطفئ بل تظل ساهرة مُرصعة إياه ومُزخرِفة يشعلها زيت ما هو سوى خواطر الحذّاق من الشعراء والأدباء وأصحاب الفن والذواقة أو حتى الفلكيين وكل من له قدرة على استشعار جمالها .
مروراً بوادي عبقر الذي اشتُهر بالجن والشعر المسحور ..وكلاب الجن تبعده تارة وتستعظمه فتبتعد عنه هي تارة أخرى ..
ومن هنا يطير يحلق يعرج نحو منتهى الجمال بمنتهى الجمال حتى صاهل خيله الشعرى ..ولا أروع من صيغة المبالغة هنا .. فالشعرى هو نجم الشعرى اليمانية الذي ذكر في الكثير من القصائد والوحيد الذي ذكر في القرءان الكريم وهو من أقرب النجوم إلينا وأكثرها بريقاً وقد كان مقدساً في العصور الأولى لارتباطه بالخير والمطر حتى اتخذوه إلهاً.. وحينما صاهله خيل شاعرنا ماجت وتحركت لصهيله عرائش.. جمع عرش.. حتى جنى من بشائر ضوئها ما جنى …… ثم تلى ذلك باستفهام وتمويه ..فماذا يا ترى قد عرضت عليه الأبراج ؟ نحتار قبل أن ندخل في حيرته هو ولكن دلّه نجم لامع فكان هدىً له سرى عليه حتى اجتاز تلك النوافذ التي لاحت له فإمّحى من شدة جمالها ونورها لحظة الاجتياز .. كيف لا وكل القصيدة نور على نور في نور ..
وها هو خيله أوفى به .. بلغ به زبد مزيّن بألوان ورسوم لطيفة على خيوطه فمشى على فُقّاعه طرباً وفرحاً.. فهو مازال يطوف بنا ما بين غيم وأثير وسحاب وأضواء وهلام ….. فناداه صوت أخبره وأكد له أنه قد بدأ .. وقد كان يحسب نفسه انتهى لِما بلغه … هنا حصافة وإجادة .. انتقال وفصل بين مرحلتين في طريق واحده .. ثم أبدع أكثر وأكثر في معنى بلا مبنى.. مضمون وجوهر محسوس بلا جسد ملموس .. فغاب وما اختفى .. وقد خص الغياب هنا للمضمون إذ سيصف حالته لاحقاً ب كأنه في حالة غياب عن الوعي … وفي غيابه المؤقت ذاك رأى لجة زرقاء أي ما تجمع من مياه زرقاء كأنها نار من الياقوت ..جميل التصوير مع استحالته ..جمع بخياله بين زرقة الماء وحمرة الياقوت في نار أسطورية …
فاضطربت تلك اللجة ولطم بعضها بعضاً حتى فاضت ثم ساحت جداولاً داعبته بحركتها وضجتها … فارتوى منها ….
واسترسل ببيت غاية في الذكاء والرقة وكأنها متاهة تُحس ولا يُرى منفذها _ ولم أع ما أفيض علي منها ولما لم أعِ الفحوى وعيت _ من عمق غيابه وعى في غياب آخر .. أظنها هكذا أو أقرب !!!!!! حسبي وحسبه أن جمع منها أصول ما هو متميز فريد لا نظير له مما انتقى ،
ثم يشكو حظه السيء الذي أعاده من رحلته .. لكنه هبط منها وأجنحته كنخل كثيف مليء بالعصافير .. حذف الياء كي لا يتأثر الجرس الموسيقي والوزن .. وحامت صادحات النيل.. أطياره.. حوله كأنه واحة وقد جاءت على عجل لتقاضيه رحلته وأياً وأيت.. الوأي_بمعنى الوعد .. _وأيت أي وعدت وعاهدت .. كأنها كانت تنتظره دون أن تتوقعه فسألته : نراك نضير ينضح منك الندى! فقال: ارتويت . فحطت وطارت استغراباً ثم قالت : ترى ما جد ؟ ف رد : اقتنيت … أي امتلاكه لنفائس ما وجده في رحلته …
ثم جاءت الخاتمة بتعابير رفيعة المستوى … وشى لها وأعماقه صحيحة معافاة بأسقام الصبابة والعشق، والسقم في العشق صحة كما الموت فيه ميلاد .. فلما أمّلت وتفكرت نقرت ربابه فأطربها وترنم لها من الأوتار بيت ..
احتفاءاً ومرحاً و انتشاءاً برحلة كانت منذ بداية المسرى وحتى سدرة منتهى خياله الساحرة وعودته لااااتضاهى لا حساً ولا أخيلةً ولا تعبيراً …..
تالله ما أجمله من شاعر مجيد متفرد مبدع رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته .. ببحثه عن بيت شعر جعلنا نبحث عن أنفسنا، أوعينا أم لا ؟
… قراءة بسيطة مني قد يصيب شرحي لها وقد يخطئ

بقلم/ نهى ابراهيم سالم

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *