ليس الإعلام مصدرًا للغة العربية ، خُذ لغتك من المعاجم اللغوية القديمة

قد بات الإعلام في أيامنا كل شيء ، و بات الناس يقلدون كلام الإعلام بكل ما أُوتوا من قوة في كل حدب و صوب ، و أضحى بعض الطلاب الكسالى ، الذين لا يودون أن يجهدوا أنفسهم و لو قليلًا في سبيل البحث عن المعارف و العلم ، لكنْ تعلَّموا أن لغة الإعلام و كلام الإعلاميين بعيد كلَّ البعد عن فصاحة العرب ، و لا تُنقل اللغة عن الإعلاميين أبدا ، فـكم من أسلوب غثٍّ رقيقٍ استعمله الإعلام و لم يكن معلوما شائعا إلا يعد  أن تداوله الإعلام ، فهؤلاء الإخباريون لا يؤتمنون في نقل أخبارهم ، فـكيف تأمَنه بنقل كلام العرب و فصاحتها  ؟ !
و من مصايد الأساليب الإعلامية الرقيقة ، الخارجة عن الإلقاء العربي العالي الفصيح ما تسمعه في كل دقيقة تمر بك و أنت تشاهد الأخبار ” بالنسبة لي كذا  ” و نحو ذلك ، و من شدة ضعف هذا الأسلوب تعافه الأنفس العربية التي تغذَّت من ثُمُر الأعراب البادية ، و استقَت من نبع أنهرهم الباردة ، و تنزعج منه الآذان السليمة ، و تنفر منه الأفئدة الصافية ، فلا تُعوِّل – يا أخا العرب – على أن تعكر لسانك ، و تفسد ملكتك في المياه الآسنة ، و إنما جاءهم هذا الأسلوب الردئ من طريق الترجمة ، فمن المعلوم أن بعض اللغات لا يعطي أصحابُها اهتمامًا للتركيب ، و إنما يُعوِّلون على تأدية المعنى فقط ، فليس لهم من فنون الكلام البليغ المركَّب ، المتمثل في نظم الكلمات و تنسيقها ، و اختيار اللائق للمقام ،  لكنَّ هذا غير ما عند العربي ؛ لأن العرب عندهم بلاغة لفظية ، و بلاغة معنوية ، بل معظم المعاني في العربية متصيَّدٌ من التركيب ، و حيث وُجد الوهن التركيبي كان ثَمَّ الضعف المعنوي ، فـهما أمران لا يفترقان في اللغة العربية ( بلاغة اللفظ أو التركيب – بلاغة المعنى  ) .
و من الأخطاء اللغوية الشائعة بوساطة الإعلام أن تُؤنَّث كلمة ” عضو ” إذا عُبِّر بها امرأة ، و هذا الفساد الذي لا يَغفُل عنه مبتدئ ، فقد عُلم في اللسان العربي أن ثَمَّ كلماتٍ استعمالها واحد في جميع المعاني ، فـكلمة ” عضو ” مذكر حيث وقع ، سواء وقعت على ذكر أو أنثى ، تقول : فلان عضوٌ في مجلس الشورى ، و فلانة عضو في مجلس الشعب ، و أنت عضو في مؤسستنا ، و أنت – يا فلانة – عضو في مجموعتنا ، و لا تلحقها هاء التأنيث ، فـإياك أن تجعل الإعلام وسيلة لأخذك العربية ، أو أن تجعله سبيلا للعلم عموما ، إذا أردت اللغة فـدونك المعاجمَ التي خلفها أيمتنا الأعلام ، فـهم الذين شافهوا الأعراب ، و كتبوا عنهم ، و عايشوا هذا البيان و استصحبوه على مدى وجودهم .
و مما ذاع صيتُه في الساحة الإعلامية ، و لا وجود له في العربية ، قولهم ” التقييم – أقيم و يقيِّم و قيَّم – هذا لا اصل له ، و المستعمل عند العرب هو ( التقويم – قوَّم – يقوِّم  ) ثم صار استعمال هذا الضعيف عند ترداد الناس حتى أنساهم الأصل الصحيح ، و من الاستعمال الخاطئ الشائع أن تُنوَّن كلمة ” خِصِّيصى ” و أن تُكتبَ بألف ممدودة ” خصيصا ” و هذا خطآن في استعمال الكلمة ، الأول أنهم نونوها ، و تي الألف تمنع الكلمة عن التنوين فهي كـ ” ذكرى  ” و الثاني : أنهم رسموها  ممدودة ، و هي مقصورة ، تقول : زرتك اليوم باكرًا خِصِّيصى لِمَا قد اتفقنا عليه أمس ، و لا أنصحك – أيها اللبيب – أن تضم نحو : خصوصًا ، فالوجه فيه أن تُفتح الخاء ( خَصوصًا – الخَصوصية  ) لا ضمها ، و منه ” الخصاصة ” في قوله – تعالى – ( و لو كان بهم خَصاصة / الحشر  ) فهذا و مثله ذائع في الإعلام ، و من جعل مرجعَه اللغوي هو الإعلام مُلِء به غثًّا و زبدًا ، و الزبد – كما علمت – يذهب جفاء ، و لا يمكث إلا ما كان موافقا لكلام العرب ، جاريًا على نمطه ، حاويًا أفنانه.

عفيف إسماعيل يوسف 

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر