سفراء الدولة أم استنفذ رصيدهم السياسي لدى النظام الحاكم ؟

لم يكن أحدٌ يحلم أن تصل المعركة السياسية الطاحنة داخل أروقة نظام الحكم في بيت السلام  ذروتَها بهذا الحجم الجنوني ، كما لم يكن لدى متابعي الأوضاع السياسية والأمنية في بلاد القَمر رأيٌ يخص مستقبلَ السياسة التي سينتهجها النظام قبل التأكد من حسم عواصف شهر مايو المنصرم ، شهر وُصف بيوم القيامة من قبل كلٍّ من النظام  والمعارضة في الداخل والخارج وهو شهر حددته هذه الأخيرة برحيل نظام الإمام غزالي من بيت السلام غير أن الصفعة القوية والاستباقية في تحديد الملامح الرئيسية التي يزمع انتهاجَها نظامُ غزالي مستقبلًا تخطّى حدود التحدي الذي دائمًا ما يتميز بها النظام  تجاه المعارضة ، فقد أربكت بالفعل الشارع السياسي كما تهدد ما تبقى من عمر النظام إن لم تكن هي نوع من انتحار سياسي محقق حسب ما عبره كثير من المحللين السياسيين ،
 إن الإمام غزالي منذ اليوم الأول من اعتلائه عرش بيت السلام اعتمد على نظام البرجوازية السياسية وهو نظام أكبر قسوة من الفاشية السياسية التي تزامن الفترة التاريخية الإيطالية بدءاً من استيلاء بينيتو موسوليني على السلطة في 30 أكتوبر 1922، حتى نهاية دكتاتوريته  في 25 يوليو 1943 نفس الرعب الذي عانه الإيطاليون يطبق على مكينة النظام السياسي الحالي في أرخبيل القمر
 حيث عمد غزالي على ضرب كل تعهداته مع الأحزاب السياسية المساندة له عرض الحائط وتضييق الخناق كلَّ من سول لهم أنفسهم بالتمرد على نهجه السياسي ناهيك بمن فكر ودبر لإبداء رأي يتناقض مع سيكولوجية رأس النظام ، فوضع من لم يتمكن من الهرب تحت الإقامة الجبرية ، وعلى رأسهم الرئيس السابق أحمد عبدالله محمد سامبي زعيم أكبر حزب سياسي في البلاد ، كما كثف المساعي لتطهير الحزب الحاكم من أعضائه البارزين بطرق مختلفة فإما بتلفيق التهم لهم وإخلاء سبيلهم ، أو التقليل من شأنهم الوظيفي تحت قبة النظام ، كما تم تصفية زعماء كبار من الحزب الحاكم بإرغامهم على اللجوء السياسي في الخارج خاصةً في فرنسا وفي دول أفريقية مجاورة ، خطوات فسرها محللون سياسيون بأن الإمام  في جعبته الكثير من الأجندات السياسية يطمع تنفيذَها مستقبلًا ، من ضمنها إفساح المجال لأبنائه لاكتمال مسيرة مملكة سبأ جديد فوق أرخبيل القمر ، بينما فسرها آخرون بأنها حزمة من عقدة أمنية لإتاحة الفرص للإمام  بنفسه خوض المغامرة السياسية لأطول فترة ممكنة من الحكم، دون منافس يذكر من الحزب الحاكم ويعزز هذا الطرح الإجراءات السياسية الأخيرة التي أدت إلى تسريح ما تبقي من أعمدة الحزب تحت عباءة سفراء السلطة في الخارج ،
إذ لا يخطر على بال أحد أن الملحمة السياسية التي خاضها كلٌّ من الدكتور مولانا شريف النائب السابق لرئيس برلمان أرخبيل القمر والأمين الأسبق للحزب الحاكم السياسي البارز الأستاذ يحى محمد إلياس ، ستنتهي في آخر المطاف إلى المنفى القسري بهذه الطريقة غير المدروسة لا في كنفٍ حزبي و لا حتى في المنحى الديبلوماسي والتقني ،
بالطبع قد يفسرها البعض بأنها ليست إلا مجرد تعينات موثوقين من السلطة في مهمات دبلوماسية حساسة لما تحظى هذه الدول المبعوث إليها من مواقع متميزة في العلاقات الاستراتيجية الأزلية بينها وبين أرخبيل القمر ، غير أن بإمعان النظر نجد عكس ذلك تماما ،
 فمن الناحية الدبلوماسية لا يمكن ترتيب البيت من الخارج قبل ترتيبها من الداخل ولا شك فيه أن الإمام غزالي بعد التأكد من مرور عاصفة شهر مايو مرور الكرام سيسعى إلى تعيين حكومة جديدة قادرة على مواصلة المغامرة السياسية  والأمنية في البلاد ، وبالتالي لم يكن من الموفّق ديبلوماسيا تعيين سفراء في الخارج قبل تعيين الحكومة الجديدة ولا حتى من قبيل التسريبات المعلوماتية لحساسية الوضع السياسي التي فرض نفسه على مسرح الأحداث السياسية في الوقت الراهن ، إذ من المؤكد أن يشمل التغيير الوزاري المرتقب رئاسة الدبلوماسية القمرية بما يعني أن العشوائيات مازالت تخيم على أعمدة القرار السياسي في نظام غزالي حتى الآن هذا أولاً
 ثانيا : من المعلوم أن كلاًّ من الدكتور مولانا شريف وصديقه الحميم يحي محمد إلياس هما آخر صقور من أعمدة الحزب تلجم بهما النظام بعد معركتهما الطويلة من أجل البقاء ضمن قائمة المقربين للنظام ولو شكليًا بعد فقدان وزنهما السياسي بضغوطات من قبل فلول من المتسلقين الجدد بالرغم من التضحية الكبيرة التي قدماها لتثبيت نظام غزالي في كثير من العواصف  التي ضربت الإمام غزالي نفسه خلال مسيرته السياسية المليئة بالمغامرات فلولا هما لانهارت النظام من ذي قبل ،
 ثالثا : إن كلاًّ من مولانا شريف و يحى محمد إلياس معروفان أنهما أستاذان جامعيان يتمتعان بثقل سياسي واحترام شديد من الشارع السياسي يخشى غزالي أن يحدثا تمردا سياسياً لما يتلقيانه من مهانة من قبل أروقة صناع القرار السياسي الحاليين بما يهدد طموحات الرئيس  المستقبلية  فالرجلان لهما تاريخ سياسي كبير مليئة بالتضحيات من أجل الإمام غزالي و الحزب الحاكم.
 والله غالب

يوسف علي امباي

أكاديمي وباحث في المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية-باريس

 

كل الآراء الواردة في المقال يتحمل الكاتب فقط كامل مسؤوليتها