صرخة الطفل القمري الذي يتلقى العربية في بلاده

حين تجتمع الآراء تتولد النتائج النافعة ، و حين يكون للجماعة قضية يجابهون بها العالَم ، يتطرقون لكل ما هو مناسب لهم و لقضيتهم التي يذودون عنها ، ففي المقال السالف قد تَشرَّفنا بمشاركة بعض الباحثين النجباء من أبناء الجزر ، و أدلَوا دَلوَهم في هذا الأمر الخطير ، و أفرزت المشاركة ببعض حلول للمشكلة الكبرى التي نعايشها في بلدنا العزيز – نحن المستعربين – و رأيت أن من الحكمة نشرَ هذه النتائج و سردَها أمام كل مواطنٍ قمريٍّ غَيُّورٍ على دينه و على عروبته ، و لعل الله أن يُخرِجَ فينا نابتةً حاملةً لواءَ العربيةِ ، ساعيةً على تحقيق ما لم يستطع غيرُهم أن يحققوه ، و لا يخفى على ذي بصيرة أن أجدى دراسة ، و أنفع قضية هي التي ينظر مناصروها إلى حكم المستقبل من خلال النابتة القادمة ، و يقتحمون خَلَلَ الغيب مِن على أنظار أبنائهم ، و من الطرق التي يُرشدونهم إليها ، فـمتى وضعوا أيديَهم على الموضع السليم الذي سَلِم من كل ألمٍ ، و جعلوه حِمًى لهم يتحاشونه منافسوهم ، كان أسلمَ لهم ، و أدعى للتقدم و للتفاؤل ، فـمِن النِّقاط التي أثرها الباحثون الغيورون :
أُولاها : نقل ثقافتِنا إلى العربية ، و هذا يعني ترجمةَ كلِّ ما يتعلق ببلادنا إلى اللغة العربية ، حتى لا يستعصى على الطالب القمري المتعلم العربية حصولُه على تاريخ بلده ، و معرفة ما يجري في محيطه ، فقد أثبت غيرُ واحد من الباحثين بأن المكتبة الجامعية لا تحوي كتبا عربية ، فكيف للطالب أن يوسِّع دائرة معرفته إذا لم يتوفر لديه المؤلفات باللغة العربية ، و قد قال أحد الباحثين : حدث أن بحثتُ عن مصادر التاريخ القمري باللغة العربية و لم أجد ، و كل شيء مكتوب بالفرنسية ، قال : و كررت ذلك مرات ، و مكثت أبحث عن نسخة عربية للدستور القمري و لم أجدها ، و هذا لا يصح في دولة تزعم أنها للعروبة تنتمي.
الثانية : مهمة نقل الثقافة القمرية إلى العربية تتوقف على قيام الباحثين الذين جَمَّعوا العربية و الفرنسية ، و إلا إن بقي الأمر علي ما هو عليه فسنظل على تردادنا و نبقى على صرخاتنا ، و لن ينفعنا من ذلك شيء إلا بتنفيذ ما ندعو إليه في أرض الحدث.
الثالثة : توجيه الطلبة منذ الصغر إلى حوض العربية الذي تمثله المعاجم العربية ، فالطلب القمري أو المستوى التعليمي ( أعني المستوى العربي)  غير قادر على إنتاج متكلمي العربية تكلمًا جزلًا  ؛ ذلك لأن تعلم العربية في جزر القمر يتوقف على تعليم بعض الكلمات الضرورية العامة ، و بعض العبارات المعلومة ، و ليس للطالب أدنى فكرة عن كيفية التعامل مع المادة العربية من حيث اشتقاقها و تصرفها ، فـمتى نُطوِّر أنظمتنا التعليمية ليشتد الطالبُ منذ النشأة ، و يكون له دربة ، و قدرة على استنباط الجذر العربي ، و كيفية اشتقاقه ، و هذا يعتمد على توسُّع المجال التعليمي ، فإنك إذا سألت مَن تلقى العربية في البلاد عن بعض المناهج العربية تجد أنها ترجمات ، أو ملخصات لبعض أبواب نحوية سطحية ، كـ باب ” كان و أخواتها  ” و بعض أبواب النعت ، و ليس بذاك التوغل الذي تحجوه ، و أما في المجال الصرفي الذي هو باب العربية حقا فهو أقل مما تتخيل ، فمِن هذا الباب لن تكون مجهوداتنا ذات فائدة ، و لا يجدي مسعانا مهما سعينا ؛ لأن فعلنا هذا كمن يصب الماء على حجر .
الرابعة : أن تُكوَّن أندية علمية ، أو ما يسمى بالمسابقات لتحريض الناس على البحث و القراءة ، فيُطرح موضوع معين للبحث و يشترك الطلاب و يتنافسون ، فقد يكون ذلك حفظَ قصيدة ِشعرٍ ، أو كتابة مقال جيد ، أو سطر رواية من تأليف الطالب ، أو عرض مادة علمية جيدة ، و الذي يحوز الجائزة مَن جَدَّ و دبَّ ، و هذا يرفع مستوى الطلاب ، و يعزز الروابط بين الطلاب و العربية ، و هذه النقطة حقا بداية تَحوُّلٍ جيد ، و انتهاضٌ حقيقيٌّ للعربية في البلاد.
و لكنني ما زلت أؤكد و أكرر أن اجتماع الباحثين ليكونوا يدًا واحدة على غيرهم من أهم المهمات ، و هو النتاج الحقيقي للرؤى البنَّاءة ، فإن لم يكن لنا وحدة فقد ذهبت ريحنا

 

عفيف إسماعيل يوسف 

طالب دراسات عليا في اللغة العربية وعلومها- جامعة الأزهر