غربة الشعراء

تعجبني كثيراً فلسفة المكان في الشعر، سواء بيت كان أو وطن، وكلاهما من بعض يكونان .. والوطن هو اختزال الوجود في حدود تتسم بالحماية والأمان تألفه النفس وتحن إليه ، تسعد لجماله وسلامته وتعاني لمعاناته يأسر الخيال في كل حال .
وفي كثير من الأشعار تتجسد معاناة الشعراء وبحثهم عن ربط بين الواقع والمأمول معاً، عما ليس بين أيديهم.. عن أرض ترقص بالسلام والمحبة والاستقرار ،عن إنسان أخضر القلب أبيض النفس أبيّ لا تأخذه في الله لومة لائم يملأها بالخير والعزة والعطاء ..
 والشاعر عندما يرسم صورة للمكان الشعري مازجاً بين ما كان وما آل إليه تجاوز حده المألوف ماضياً إلى رحاب خياله ومكنونات ذاته فالوطن هو مكانه الأول حتى وإن كان الميلاد خارجه ، وعايشه بكل واقعيته وحقيقته من خلال العاطفة والخيال حتى فتح له التاريخ صوره البعيدة فمضى خارج الآن واتكأ على أسوار الماضي ليرثيه ويرسيه في عين المستقبل الحالمة ،،هي لحظة ايقاف لصورة حية في عمق الحقيقة يخطها بكلمات شعرية طيبة أنيقة تعبر عن انفعال كبير خارج إطار اللغة العادية .. يحمل تمنياته وأحلامه التي فرضها واقع الحال وحلق بها صوب قلمه بابتكار ذهني لاستعادة ما كان فأكد بأن المكان شعرياً هو تكثيف للزمن والأحداث ..
وأجمل ما لفت انتباهي في شعر الغربة والاغتراب والحنين للوطن أن الشاعر يقدم ما يجب أن يؤخر في طبيعة الحال ثم لا يفتأ يذكر أن الغربة سجن … وهذا لعلمه أن السجّان هو حارس مكلف بفرض الاغتراب ..والاغتراب سجّان بلا سجن يجيد فرض أوامره ونفسه عليه … …
ولا أجد سوى قول شاعر يرثي الواقع ويبكي الحال بقوله :
قمري راح يغني ،
جسدي راح يموت،
وأنا أبحث عن خبز لأطفالي وقوت،
وخيوطي بين أقدامي ومن خلفي البيوت،
كلما انسج خيطاً يتوفى عنكبوت.

بقلم نهى إبراهيم سالم